الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٣
و إنما الخطأ عرض لكم من وجهين:
أحدهما: أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد، و الجسماني المجرد. فحكمتم بأن الفضل للروحاني، و صدقتم. لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد، و الجسماني و الروحاني المجتمع. و لا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد، فإنه بطرف ساواه، و بطرف سبقه. و الفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة و لوازمها، و لم تؤثر فيه أحكام التضادّ و الازدواج؛ بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده و يرضاه، بل صارت معينات له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب، و عطلت الوحدة و البساطة، و ذلك تخليص النفوس التي تدنّست بالمادة و لوازمها و صارت العلائق عوائق.
و ليت شعري: ما ذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل؟ و كيف يزري اللفظ الرائق بالمعنى المستقيم؟ و نعم ما قيل [١]:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه
فكلّ رداء يرتديه جميل
و إن هو لم يحمل على النّفس ضيمها
فليس إلى حسن الثّناء سبيل
هذا كمن خاير بين اللفظ المجرّد و المعنى المجرّد: فاختار المعنى، قيل له:
لا بل خاير بين المعنى المجرّد، و العبارة و المعنى حتى لا يشكل، إذ المعنى اللطيف في العبارة الرشيقة أشرف من المعنى المجرّد.
و الوجه الثاني: أنكم ما تصورتم من النبوة إلا كمالا و تماما فحسب. و لم يقع بصركم على أنها كمال هو مكمّل غيره، ففاضلتم بين كمالين مطلقا، و ما حكمتم إلا بالتساوي و ترجيح جانب الروحاني! و نحن نقول: ما قولكم في كمالين؟ أحدهما كامل، و الثاني كامل و مكمل عالما، أيهما أفضل؟.
[١] قائل هذين البيتين هو السموأل بن عادياء الأزدي، و هو شاعر جاهلي حكيم من سكان خيبر، كان ينتقل بينها و بين حصن له «الأبلق». و هو الذي تنسب إليه قصة الوفاء مع امرئ القيس الشاعر.
متوفى نحو ٦٥ ق ه/ نحو ٥٦٠ م. (الأعلام ٣: ١٤٠ و انظر معاهد التنصيص ١: ٣٨٨ و ياقوت في معجم البلدان ١: ٨٦) ..