الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٠٦
إحاطته و علمه. و شقاوته بقدر سفاهته و جهله. و عقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة، و وضعه هو المستعد لقبول تلك الشقاوة. و هؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون.
قالوا: الشرائع و أصحابها أمور مصلحية عامية. و الحدود، و الأحكام، و الحلال، و الحرام أمور وضعية. و أصحاب الشرائع رجال لهم حكم عملية، و ربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام، و وضع حلال و حرام مصلحة للعباد، و عمارة للبلاد. و ما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة و العرش، و الكرسي، و اللوح، و القلم فإنما هي أمور معقولة لهم؛ قد عبّروا عنها بصور خيالية جسمانية. و كذلك ما يخبرون به من أحوال المعاد؛ من الجنة و النار مثل: قصور، و أنهار، و طيور، و ثمار في الجنة، فترغيبات للعوام بما تميل إليه طباعهم. و سلاسل و أغلال، و خزي و نكال في النار، فترهيبات للعوام بما تنزجر عنه طباعهم. و إلا ففي العالم العلوي لا يتصور أشكال جسمانية، و صور جرمانية.
و هذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، لست أعني بهم الذين أخذوا علومهم من مشكاة «١» النبوة، و إنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية و حشيشية، و طبيعية «٢»، و إلهية، قد اغتروا بحكمهم، و استقلوا بأهوائهم و بدعهم.
ثم يتلوهم و يقرب منهم قوم يقولون بحدود و أحكام عقلية، و ربما أخذوا أصولها و قوانينها من مؤيّد بالوحي، إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم، و ما نفذوا إلى الآخر.
و هؤلاء هم الصابئة الأولى؛ الذين قالوا بعاذيمون، و هرمس، و هما: شيث و إدريس عليهما السلام، و لم يقولوا بغير هما من الأنبياء عليهم السلام.