شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ١٣٢ - فصل في ابتداء الدعوة
فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، إني أرى أنّ تركنا ديننا و اتّباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول و لا آخر أنه زلل في الرأي، و قلة نظر في العاقبة، و إنما تكون الزلة مع العجلة، و من ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، و لكن نرجع و ترجع، و ننظر و تنظر.
و كأنه أحب أن يشرك المثنى بن حارثة فقال: و هذا المثنى بن حارثة شيخنا و صاحب حربنا.
فقال المثنى بن حارثة: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، و الجواب فيه: جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا و متابعتك على دينك، و إنا إنما نزلنا بين صيرين: اليمامة، و السماءة.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما هذان الصيران؟ فقال: أنهار كسرى و مياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، و عذره غير مقبول، و أما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، و عذره مقبول، و إنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثا، و لا نؤوي محدثا، و إني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي قوله: «اليمامة، و السماءة»:
السماءة من أعمال زبيد اليمن، و يقال أيضا لجبل مقري باليمن: سماءة، و في البداية لابن كثير: السماوة، و هو الذي يدل عليه السياق، إذ هي ماء لكلب، و يقال أيضا: لبادية بين الكوفة و الشام، و اللّه أعلم.
قوله: «ما هذان الصيران؟»:
في رواية أبي نعيم: فقال: أما أحدهما فطفوف البر و أرض العرب، و أما الآخر فأرض فارس و أنهار كسرى.
و في النهاية: الصير: الماء الذي يحضره الناس.