شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٧٨ - فصل ذكر قصة حفر عبد المطلب بئر زمزم
الغراب في قرية النمل، مستقبله الأنصاب الحمر، فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمّي له من الآيات، فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها، فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل، فقام عبد المطلب فحفر هنالك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنيع، إنا لم نكن نزنك بالجهل، لم تحفر في مسجدنا؟ فقال عبد المطلب: إني لحافر هذه البئر، و مجاهد من صدني عنها.
فطفق هو و ابنه الحارث و ليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش، فنازعوهما، و قاتلوهما، و تناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه، و صدقه و اجتهاده في دينهم يومئذ.
حتى إذا أمكن الحفر و اشتد عليه الأذى نذر إن وفى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، فما زال يحفر حتى بلغ الماء، فطفق هو و ابنه ينزعان الماء، و جعلا حوضا يمليانها ليشرب منه الحاج، فحسده قوم من قريش، فكسروا حوضه فأصلحه، فكسروه مرارا فساءه ذلك، فدعا ربه، فأري في المنام أن قيل له:
قل: اللّهمّ إني لا أحلها لمغتسل، و لكن هي للشارب حلّ و بل، قوله: «فما زال يحفر»:
لفظ أبي الوليد: ثم حفر حتى أدرك سيوفا دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب أجزنا مما وجدت، فقال: هذه السيوف لبيت اللّه الحرام.