نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨ - مقدمة المؤلف
أنّها تصلح لمن قد فرغ من أكثر العلوم، و اشتهى قراءة ما يدلّه على أخلاق أهل الأزمنة، و سننهم، و طرائقهم، و عاداتهم، و أن يقايس بين ما نحن فيه، و ما مضى، ليعلم كيف ماتت الدنيا، و انقلبت الأهواء، و انعكست الآراء، و فقدت المكارم، و كثرت المحن و المغارم، و هلك أهل الفضل و التفضّل، و تلف أهل الستر و التجمّل، و صغرت الهمم، و تلاشت النعم، و فقد الجمال، و عدم النبل و الجلال، في أكثر الخصال، و جمهور الرجال.
و حقّا أقول، لو عاش حكيم من أهل تلك الأزمنة، حتى يرى ما حصلنا عليه، و دفعنا إليه[٣]، ما شكّ في قيام الساعة، أو أنّ الناس بدّلوا بهائم مهملة، أو جعلوا آلات غير مستعملة، لفقد الأحرار، و شدّة الإعسار، و بطول المكاسب، و تواتر النوائب، و حدوث السنن القبيحة، و العوائد المسبّبة الفضيحة، و نسأل اللّه العظيم، فرجا عاجلا، و صلاحا للعالم شاملا، إنّه سميع مجيب، رحيم ودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد، و هو تعالى حسبنا و نعم الوكيل و المعين.