نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢١٥ - ١٤١ كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقّق مع المتّهمين
و خفنا أن يتشوّش الرجّالة الباقون، فيفلت إنسان آخر، فرجعنا مسرعين، و جلسنا مغمومين، مفكّرين ما ذا نعمل.
فقال رئيسنا: إنّ الأبزاعجيّ لا يقيل لي عثرة، و لا يقبل مني عذرا، و يقع له أنّني قد أخذت من أحد اللصوص مالا و أفلتّه، فيضربني للتقرير، فلا أقرّ، فيقع له، أنّني أتجلّد عليه، فيمرّ الضرب عليّ، إلى أن أتلف، فما الرأي؟ فقلت: تهرب.
قال: فمن أين أعيش؟ فقلت: هذا نصف اللّيل، و لم يعلم بما جرى أحد، فقم حتى نطوف، فلا يخلو أن يقع بأيدينا مشئوم، قد حانت منيّته، فنوثقه، و نصلبه، و نقول له: سلّمت إلينا[١٧٩]عشرين رجلا، فإنّه ما أثبت حلاهم [١] .
فقال: هذا صواب.
فقمنا نطوف، و سلكنا طريق الجسر، لنعبر[إلى]الجانب الغربيّ، فرأينا في أسفل كرسيّ الجسر رجلا يبول، فعدلنا إليه، فقبضنا عليه.
فصاح: يا قوم ما لكم؟أنا رجل ملاّح، صعدت من سميريّتي أبول، و هذه سميريّتي-و أومأ إليها-أيّ شيء بيني و بينكم؟ فضربناه، و قلنا: أنت اللّص الذي هرب من الخشبة، و جبناه [٢] ، و رقيناه إلى الخشبة، و صلبناه مكان اللّص الهارب، و هو يصيح طول الليل، و يبكي.
فتقطّعت قلوبنا رحمة له، و قلنا: مظلوم، و لكن ما الحيلة؟
[١] حلية الإنسان: ما يرى من لونه و ظاهره و هيأته.
[٢] جبناه، من جاب: بغدادية لم تزل مستعملة بمعنى جلب و أحضر.