نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧١ - ٥٠ أبو الهيجاء بن حمدان و متانة أعصابه
قال: فلم أبعها حتى كاتبته، و عرّفته خبرها، لئلا تكون قد هربت، أو وقع بها حيلة.
فلما أعلمني أنّه وهبها، شرعت في بيعها في الحال، فتعذّر، و أقامت عندي أيّاما.
فسألتها عن أخبار أبي الهيجاء، و أمره في داره، فأخبرتني بأشياء من ذلك. فكان من طريف ما أخبرتني به، أن قالت:
أخرجني من عندك في العمّارية، و سرنا يومنا و ليلتنا، إلى قريب من انتصاف الليل، فكدّني السير و أتلفني، ثم حطّ العمّارية في الصحراء، ثم ضربت له خيم، و لأصحابه، فصرنا في عسكر، و أشعلت النيران، و نصب له سرير[٥٧]مخلّع [١] في خيمة له، و استدعاني، فجئت و هو على فراشه، فلاعبني، ثم نزع [٢] سراويله، و جلس منّي مجلس الرجل من المرأة، فوقعت صيحة عظيمة، فنهض عنّي، و لم يكن أولج، و ضرب بيده إلى تحت الفراش، و إذا سيف مجرّد، فأخذه، و خرج بلا سراويل، و صاح أنا أبو الهيجاء، و سألهم عن سبب الصيحة، فقالوا: سبع أطاف بالخيم.
فخرج يعدو، و معه خلق من غلمانه و أصحابه، و أهاجوا السّبع، و طلبوه، و ناصبوه الحرب، و ناصبهم، و أنا أسمع الصياح، و زأرات الأسد، و قد تلفت فزعا، ثم يأتيه هو، من بين الجماعة، فقتله، فحمل رأسه، و جاءني و هو في يده، فلما رأيته صحت، فرمى بالرأس، و غسل يده.
ثم جاءني، فطرحني، و إذا أيره قائم، كما كان في وقت نهوضه، ما تغيّر، ثم جامعني، ثم نهضت.
فما رأيت قلبا أثبت من قلبه، و لا أيرا أقوى من أيره.
[١] السرير المخلع: هو السرير الذي يخلع إلى أجزاء و يرفع ثم ينصب مجددا بربط أجزائه ببعض، و يستعمله المسافرون.
[٢] نزع: بغدادية: خلع.