نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٠ - ١٧٤ الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره
جاء إلى مجلس الكاتب، فأقام هناك طويلا، ففعل كفعله.
ثم خرج من الباب، و قد ملأ زنبيلا كان معه، من الخبز و الحلوى و الطعام، و ملأ جيبه من الدراهم.
فلما صار على باب الدار، قلت للبوّابين: تعرفون هذا؟ فقالوا: رجل زمن أبله، يجيء فيتصدّق، و خلقه طيب، فكلّ من في الدار، يستطيبه، و يبرّه.
قلت: قد رحمته، و اشتهيت آخذ له شيئا، ففيكم من يعرف بيته؟ فقالوا: لا.
فركبت، و اتّبعته، و لحقت به، و وقفت كأنّني أحدّث غلامي، و أسير خلفه على تؤدة، حتى جاء إلى الجسر، فعبره زحفا، و أنا وراءه، و دخل الخلد، و دخلت معه، و ولج في خان، فقلت لغلامي: اتبعه، فاعرف بيته في الخان، ففعل، و عاد إليّ، فوصفه لي[٢٤٦].
فوقفت متحيرا، لا أدري ما أعمل، و لا من أسأل عنه، و أخاف أن أنفّره، فيهرب.
و طال وقوفي، و هممت بالانصراف، فإذا به قد خرج بريئا، نظيفا، بثياب مرويّة [١] و لحية بيضاء، و طيلسان، و عمامة قد جعلها فوق حاجبيه، فلو لا قرب عهدي به، و برؤيته، لما عرفته، و إذا هو يمشي لا قلبة [٢] به.
فتأمّلت لحيته، و إذا هي ملبّسة فوق لحيته، و قد أخفاها بعمامته، و إنّما فطنت لذلك، لشدّة تأمّله، و صرف اهتمامي إلى ذلك، مع قرب عهدي برؤيته.
[١] اشتهرت مرو بالثياب الملحم، و هي التي سداها من الحرير و لحمتها من غيره، بخلاف الديباج الذي يكون سداه و لحمته من الحرير (لطائف المعارف ١٧٤ و ٢٠١ و ٢٠٢) .
[٢] القلبة: الداء.