نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٨٣ - ١٢١ سخاء الأمير سيف الدولة
فجلس، و لم يخاطبه حتى حضر الآخر، ثم أقبل عليهما، فقال: ويحكما ، أخبراني، أ لم أحسن إليكما، و أصطنعكما، و أنوّه بكما، و أسن أرزاقكما، و أعل مرتبتكما، و أخفّف الخدمة عليكما، و أتناه بجهدي، في قضاء حقوقكما؟ فأخذا يشكرانه.
فقال: ما أريد هذا، إمّا أن تقولا: نعم، أو لا.
فقالا: بلى، و اللّه، و زيادة.
قال: فمن حقّي عليكما، و مكافاة هذا، و شكره، أن تقطعا عنّي رجاء الناس؛ و تصدّانهم عن أملي، و تؤيسانهم من[١٥٣]برّي، و تنسباني عندهم إلى الضجر برقاع المؤمّلين، و البخل على المستحقين؟. ما كان عليكما، لو أخذتما رقعة الرجل، فإن أجرى اللّه على يدي خيرا، كنتما فيه شريكين، و إن ضجرت، كان الضجر إليّ منسوبا، و أنتما منه بريئان، و قد قضيتما حقّ قصد الرجل لكما، فلا حقّه قضيتما، و لا حقّ اللّه عزّ و جلّ، فيما أخذه على عباده من بذل الجاه، و لا حقّ إنعامي.
قال: و أسرف في لومهما، و توبيخهما، حتى كأنّهما قد جنيا أعظم جناية.
قال: فأقبلا يعتذران، و يحلفان أنّهما ما أرادا إلاّ التخفيف عنه بقراءة شيء طويل، و أرادا أن يخفّف الرجل الرقعة، فتخف قراءتها، و تكون أنجع لحاجته، و إنّهما ما قدّرا أنّه قد أيس، و انصرف مغموما، و لو علما بذلك، لقصداه، حتى يرتجعا رقعته، و يوصلانها.
قال: فأقبلت الجماعة تدعو له، و تحلف، أنّ هذا التأديب، و التفضّل، و النيّة في الجود و الكرم، أحسن من الفعل الذي عمله مع الرجل، على عظم حسنه، و أنّه ليس على[١٥٤]وجه الأرض من يعمله غيرك.