نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٥٥ - ١٠٧ مهاترة بين رجلين من الخاصة
فلما توسّطوا الشراب، أحضر باكورة [١] ، فقبّلها، ثم أقبل عليهما، و قال: الإنصاف أن أقسمها أثلاثا، و لكنّي قد وفّرت قسمي عليكما يا سيّديّ، فاقتسماها أنتما.
فأخذها الحسين بن القاسم، فقال: يا سيّدي، يا أبا جعفر، هذه تحبّ أن آخذ أنا ثلثيها، و أعطيك ثلثها؟ فقال الكرخي: فعلام يا سيّدي؟ فقال: لأنّك، أنت و أخوك، ولدتما توأما، فأنت نصف توأم، و أنا تامّ لأنّي ولدت وحدي، و لو كان أخوك حاضرا، لكان لي و لك و له أثلاثا، و مع غيبته، فأنت لا تستحقّ أكثر من الثلث.
فقال له أبو جعفر: ما أعجب هذا، أنت رجل كان جدّك نصرانيا، يعتقد أنّ اللّه ثالث ثلاثة، و نشأ أبوك فصار ثنويا، و ترك مرتبة، و نشأت أنت فكان القياس أن تترك مرتبة واحدة أخرى، و لكنّك تركت مرتبتين، فنشأت ملحدا، لا تعتقد شيئا أصلا، و لم نعيّرك بذلك، تعيّرنا أنت[١٢٥] بالتوأم، و لا ذنب لنا فيه، و ما هو عار على الحقيقة.
فغضب الحسين بن القاسم، و ابتدر ليجيب.
فقام دلويه، و قال: الطلاق ثلاثا، لازم لي، و كلّ ما أملكه صدقة، إن أجبت يا سيّدي بشيء، و لا تكلّمت أنت يا سيّدي، يا أبا جعفر بشيء، فإنّ هذا يخرج الآن عن المزاح إلى العربدة، و الأحقاد، و الوحشة التي تبقى، و قدركما يرتفع عن هذا.
قال: فسكتا ساعة واجمين، و لم يزل أبو محمد، يداريهما، و يبسطهما، و يستعطف كل واحد منهما لصاحبه، حتى اصطلحا.
[١] الباكورة: أول ما يدرك من الفاكهة.