تهذيب الأُصول - ط نشر آثار الإمام الخميني - السبحاني، الشيخ جعفر؛ تقرير بحث السيد روح الله الخميني - الصفحة ٣٧٧
وهـذا الإشكال سيّال في الأحكام الظاهريـة كلّها ـ أمـارة كانت أو أصلاً ـ فإنّ إرادة العمل على طبق الأمارة والاستصحاب أو قاعدة الفراغ وأصالة الإباحة وهكـذا . . . ممّا لا يجتمع مـع الإرادة الحتميـة بالنسبـة إلى الأحكام الواقعيـة ، بعدما علم أنّ الاُصول والأمارات قد تؤدّيان إلى خلاف الواقع .
أمّا الجواب فنقول : اعلم أنّ للحكم الشرعي مرتبتين ، ليس غير :
الاُولى : مرتبة الإنشاء وجعل الحكم على موضوعه ، كالأحكام الكلّية القانونية قبل ملاحظة مخصّصاتها ومقيّداتها ، نحو قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالعُقُودِ)[ ١ ] ، أو (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)[ ٢ ] ، وكالأحكام الشرعية التي نزّل به الروح الأمين على قلب نبيّه ، ولكن لم يأن وقت إجرائها ; لمصالح اقتضته السياسة الإسلامية ، وترك إجرائها إلى ظهور الدولة الحقّة ، عجّل الله تعالى فرجه .
الثانية : مرتبة الفعلية ; وهي تقابل الاُولى من كلتا الجهتين ، فالأحكام الفعلية عبارة عن الأحكام الباقية تحت العموم والمطلق بعد ورود التخصيصات والتقييدات حسب الإرادة الجدّية ، أو ما آن وقت إجرائها .
فالذي قام الإجماع على أ نّه بين العالم والجاهل سواسية إنّما هو الأحكام الإنشائية المجعولة على موضوعاتها ; سواء قامت عليه الأمارة أم لا ، وقف به المكلّف أم لا ، وهكذا ; وهي لا يتغيّر عمّا هي عليه . وأمّا الفعلية فيختلف فيها الأحوال ، كما سيوضح .
[١] المائدة (٥) : ١ .
[٢] البقرة (٢) : ٢٧٥ .