تهذيب الأُصول - ط نشر آثار الإمام الخميني - السبحاني، الشيخ جعفر؛ تقرير بحث السيد روح الله الخميني - الصفحة ٤٨
ومن ذلك يظهر : أ نّه لا استحالة في كون المقرّب مبعّداً والمبعّد مقرّباً ; لأنّ المراد منها ليس هو القرب والبعد المكانيين حتّى لا يمكن اجتماعهما ، بل المعنوي من ذلك ، وهو ليس أمراً حقيقياً بل اعتبارياً عقلائياً يدور مدار الجهات الموجبة له عندهم .
ولذلك يرى العقل والعقلاء الفرق بين مَن ضرب ابن المولى في الدار المغصوبة ومن أكرمه فيها ; فحركة اليد لإكرام ابن المولى من جهة أ نّها إكرام محبوبة وصالحة للمقرّبية ، ومن جهة أ نّها تصرّف في مال الغير عدواناً مبغوضة ومبعّدة . ومسّ رأس اليتيم في الدار المغصوبة من جهة أ نّه الرحمة عليه حَسَن وذو مصلحة ، ومن جهة أ نّه تصرّف في مال الغير قبيح وذو مفسدة . والصلاة في الدار المغصوبة من جهة أ نّها مصداق الصلاة محبوبة ومقرّبة ، ومن جهة أ نّها مصداق الغصب مبغوضة ومبعّدة[ ١ ] .
وقد عرفت : أنّ الشيء الواحد ـ حتّى البسيط منه ـ يجوز أن يتّصف بمثل هذه الانتزاعيات . ولو أمكن أن يكون الشيء الواحد محبوباً لجهة ومبغوضاً لجهة أمكن أن يكون مقرّباً ومبعّداً من جهتين ، من غير لزوم تضادّ وامتناع .
وأظنّ : أ نّك لو تدبّرت فيما هو الملاك في كون الشيء مقرّباً ومبعّداً عند العقلاء ، وأنّ التقرّب والتبعّد في هاتيك المقامات يدوران مدار الاعتبار يسهّل لك تصديق ما ذكرنا .
[١] كفاية الاُصول : ١٩٣ .