متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٨ - ومن سورة البقرة
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) [٣٠] فلما لم ينكر ذلك من قولهم ) دل على أنه أراد الفساد!
والجواب عن ذلك : أن العلم بأن « العاصى يعصى [١] فى المستقبل لا يوجب كون العالم مريدا [٢] ، لأنا نعلم ذلك من إبليس ، ومن الكفار ولا نريدها منهم بل نكرهها ونسخطها ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآله يعلم من أبى لهب وغيره أنه يستمر على كفره ولم يكن يريد ذلك ، بل كان يكرهه وينهى عنه ويزجر عن فعله ، فإذا لم يقتض إلا أنه تعالى علم أنهم يفسدون فى الأرض فقط ، وهذا لا يوجب كونه مريدا لفسادهم ، فقد [٣] بطل تعلقهم بالظاهر.
فإن هم فزعوا إلى أن يقولوا : إنه تعالى إذا علم أنهم يفسدون ثم اخترع وكلف وأسكن الأرض ، دلت هذه الجملة على أنه يريد فسادهم ، فهذا تعلق بغير الظاهر ، وهو مع ذلك فاسد ؛ لأن الواحد منا قد يفعل الآلة ويغلب فى ظنه أنها تستعمل فى الفساد ، ولا يجب أن يريد ذلك ، وهذا مما نجده فى أنفسنا.
وكذلك إذا قالوا : إنه تعالى لما فعل ذلك وهو متمكن من المنع منه
ـ والماتريدية : أنه لا بد من قياس أفعاله تعالى على أفعال العبد وتنزيهه عن إتيان القبيح والجور ، فلا يتصور منه سبحانه وقوع الظلم أو الأمر بالفساد.
والمسألة ـ أيضا ـ فيما يبدو متصلة بخلافهم فى خلق الأفعال ، فحين ثبت عند الأشاعرة أن أفعال العبد مخلوقة لله ، وفى العالم القبائح والشرور قالوا : إنها منه سبحانه ، وأنه قد أراد لعباده العاصين الكفر (وأراد لكل ما كان ) فى حين لم يلزم المعتزلة شيء من هذا ، لتنزيههم إرادة الله تعالى ، وقولهم : إن أفعال العباد مخلوقة لهم.
انظر فى تفصيل هذا الموضوع : مقدمة فى نقد مدارس علم الكلام للأستاذ الدكتور محمود قاسم ( مع مناهج الأدلة لابن رشد ) الطبعة الثانية ، ص : ٨٨ ـ ١٠٤.
[١] د : المعاصي. [٢] د : مريدا لها. [٣] ساقطة من د.