متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧ - مقدمه
كذلك المتشابه ، لأنه وإن كان من العلماء باللغة ويحمل القرائن [١] ، فإنه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدأ ونظر مجدّد ليحمله على الوجه الذى يطابق المحكم أو دليل العقل.
ويبين صحة ذلك أنه عز وجل بين فى المحكم أنه أصل للمتشابه ، فلا بد أن يكون العلم بالمحكم أسبق ليصح جعله أصلا له ، ولا يتم ذلك إلا على ما قلناه.
فأما إذا كان المحكم والمتشابه واردين فى التوحيد والعدل فلا [٢] بد من بنائهما على أدلة العقول ، لأنه لا يصح ممن لم يعلم أنه جل وعز واحد حكيم لا يختار فعل القبيح ، أن يستدل على أنه جل وعز بهذه الصفة بكلامه.
فالمحكم فى هذا الوجه كالمتشابه ، وإنما يختلفان فى طريقة أخرى ، وهى أن المخالفين فى التوحيد والعدل يمكن أن نحاجهم بذكر المحكم ونبين مخالفتهم لما أقروا بصحته فى الجملة ، ويبعد ذلك فى المتشابه ، فلذلك نجد كتب مشايخنا رحمهمالله مشحونة « بذكر هذا [٣] الباب ليبينوا أن القوم كما خرجوا عن طريقة العقول ، فكذلك [٤] عن الكتاب. فأما أن يمكن أن نبين للجاهل بالله تعالى وبحكمته أن الله عز وجل لا يختار فعل القبيح وأنه لا يشبه الأعراض والأجسام ، والقرآن محكمه ومتشابهه ، فذلك مما لا يصح ؛ على ما قدمنا.
ولهذه الجملة يجب ان يرتب المحكم والمتشابه جميعا على أدلة العقول ، ويحكم بأن ما لا يحتمل إلا ما تقتضيه هذه الجملة يجب أن يثبت محكما ؛ وما احتمل هذا
[١] أى ويعلم القرائن وهو السامع العالم باللغة وربما عاد الكلام إلى المتشابه. [٢] فى الأصل : ولا. وجاءت الواو محل الفاء وفى الكتاب فى مواضع كثيرة. [٣] والأصل : ان نذكر فى هنا. [٤] فى الأصل : وكذلك.