متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧١٥ - ومن سورة الناس
يكون ذلك الفعل على صفة من قبله. ومن لم يكن مخلى بينه وبينه وحصل هناك منع أو إلجاء ، لم يجز أن يكون ذلك الفعل من قبله على كل وجه ، ولذلك قلنا : إن الواحد منا لو ألجأ غيره إلى أن يضر برجل ، لكان العوض على المجيء ، لأنه فى الحكم كان الفعل من قبله. ومتى فعله وهو مخلى يلزمه بنفسه العوض ، لأن الإضرار من قبله. وقد علمنا أن المكلف لا يجوز أن يستحق الثواب إلا وحاله ما قدمناه ، لأنه لو كان ما يفعله فى حكم المفعول فيه لصار كأنه مفعول فيه فى أنه لا يستحق المدح والثواب ، فكان فى ذلك إبطال العوض بالتكليف ، فلذلك يطلب [١] فى المكلف أن يكون قادرا ، لأن التخلية لا تصح إلى فى القادر. وشرطنا ارتفاع الإلجاء عنه ، لأن مع وجوده تزول التخلية ، على ما بيناه. وشرطنا ألا يكون ممنوعا ، لأن الممنوع من الفعل محال أن يكون مخلى بينه وبينه. وشرطنا أن يكون سائرها يحتاج إليه فى الفعل ، إما حاصلا أو ممكنا من تحصيله ، لأن ما به يفعل الفعل ويتمكن لأجله ، متى عدم ، زال [٢] التمكن ، فضلا عن أن يكون مخلى بينه وبين الفعل ، فلا بد لأجل هذه الجملة من أن يكون المكلف على هذه الصفات التى ذكرناها ، ليصح ثبوت التخلية فيه.
ويتحصل ما ذكرناه فى التخلية ، ولو كانت أسبابها تختلف ، بأن يكون قادرا على الفعل وتركه ، والإلجاء وسائر وجوه الموانع مرتفعة. فإذا حصل كذلك ثبتت التخلية.
[١] فى الأصل : يبطل. [٢] فى الأصل : زوال.