متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٤٠ - ومن سورة النمل
والجواب عن ذلك : أن من شيوخنا من قال إنه كان عاقلا مكلفا فى زمن سليمان ، وكان ذلك معجزة له ، فصح أن يقول هذا القول.
فأما أبو على ، رحمهالله ، فإنه كان يقول : إنه بمنزله المراهق الذى يقارب حال العاقل ، فصح منه ذلك على جهة التأديب ، كما يصح من أحدنا مثله فى المراهق إذا أرسله وعصى فيما أراد منه. قال : ولا يمتنع مع هذا أن يقول : ( وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ ) [٢٤] فيكون حاكيا لذلك من غير معرفة بالله تعالى ، كما يحكى مثله المراهق.
٥٤١ ـ وقوله تعالى : ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) [٢٤] يدل على قولنا فى العدل ، من جهات :
منها : أنه أضاف تزيين عملهم إلى الشيطان ، ولو لم يكن ذلك فعلهم لم يكن عملا لهم ، ولو لم يكن من جهتهم لم يكن لتزيينه تأثير ؛ لأن الدواعى إنما تصح فيما لا يحصل من الفعل على جهة الوجوب ، ألا ترى أن أحدنا لا يجوز أن يزيّن له الألم الذى يقع عن ضرب غيره فيه! لأن ذلك يقع به على جهة الوجوب.
ومنها : أنه تعالى لو خلق فيهم عملهم لم يصح من الشيطان أن يكون صادّا لهم عن السبيل ، بل كان تعالى هو الموصوف بذلك ، وكان لا يكون لفعله من التأثير ما يكون صدّا.
٥٤٢ ـ وقوله تعالى : ( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) يدل على تمسكنهم من الاهتداء ، وعلى أنه لو وقع لكان من قبلهم ، وذلك ظاهر.
٥٤٣ ـ وقوله تعالى من بعد : ( قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ