متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٣٤ - من سورة براءة
وقد يجوز أن يكون المراد بقوله : ( فَثَبَّطَهُمْ ) أنه فعل من الألطاف ما يختارون عنده ترك الخروج على هذا الوجه ، ولهذا قال تعالى : ( وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ).
ويجوز أيضا أن يكون المراد به أنه تعالى بين للرسول أنهم لو خرجوا على هذا الوجه لمنعوا ، فصار ذلك تثبيطا منه تعالى ، وبمنزلة أن يأمرهم بالقعود.
٢٩٢ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخلق فيهم الكفر وأنهم قد يرغبون إليه أن لا يضلهم فقال : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ) .. [٤٩]
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الفتنة ليس هو الكفر والمعاصى ، وقد بينا أنه ينطلق على الامتحان والتشديد فى التكليف [١] ، ولذلك أطلقه تعالى على العذاب ، بقوله : ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) [٢] وعلى البلاء النازل من الأمراض وغيرها ، فقال تعالى : ( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ) [٣] وقال ( إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ) [٤] فلا ظاهر لما تعلقوا به.
ـ ذكرها القاضى عبد الجبار لهم فى الدلالة على أن تكليف الكافر بالايمان لا يقبح ، ـ بخلاف العاجز عن الإيمان ـ وقد ذكر القاضى فى الرد عليهم جملة جامعة ، بعد أن ناقش أدلتهم بإطناب ، فقال : ( إن الإيمان لا يفعل بالجواز ، ولا بالصحة ، ولا بالتوهم ، ولا بالإطلاق ، ولا بالتخلية ، ولا بالمشيئة ، ولا بكونه غير ممنوع ، وإنما يفعل بالقدرة ، والكافر لم يعط القدرة ، فيكون تكليفه والحال هذه تكليفا لما لا يطاق ، وينزل منزلة العاجز. وقد تقرر فى عقل كل عاقل قبح تكليف من هذا حاله ، ففسد ما قالوه ) شرح الأصول الخمسة ٤٠٦ ، فما بعدها.
[١] انظر الفقرة ٢١٢. [٢] سورة الذاريات. الآية : ١٣. [٣] من الآية : ١٢٦ فى سورة التوبة. [٤] من الآية : ١٥٥ في سورة الأعراف.