متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥١١ - ومن سورة الحج
والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى إلا أن الشيطان يلقى أمرا ، وأن ذلك الأمر يزال ويرفع ، ولا يدل على أنه تعالى يفعل ذلك ، أو على أن ما يفعله الشيطان يؤثر فى الرسول ، ولا ينافى ذلك ما ذكره تعالى من أنه لا سلطان له على المؤمنين ، وذلك أنهم إذا لم يقبلوا وعدلوا عن ذلك زال سلطانه ، وإن كان قد يلقى إليهم ما ذكره تعالى.
وأما قوله : ( لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً ) فظاهره أنه تعالى يجعله تشديدا فى المحنة ، وهذا مما لا نمنع منه ، وقد بينا أن الفتنة تنصرف على وجوه [١] ، وأن [٢] ظاهرها ـ فى التعارف ـ ينطلق على تشديد المحنة ، وهو الذى أراد بقوله : ( إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ) [٣] وبقوله : ( الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) [٤] وكل ذلك يمنع من تعلقهم بهذا الظاهر.
والمراد « بالآية عند أبى على ، رحمهالله ، أنه ما من رسول إلا إذا قرأ كتاب الله تعالى ووحيه ألقى الشيطان بوسوسة [٥] ما يشغله عن الاستمرار ، فربما لحقه سهو فى القراءة وغلط يجوز عليه ، فينسخ الله ذلك ، لئلا يقدر أنه من القرآن ، ويحكم آياته ، لكى يعلم أنه لا يلتبس بغيره ، ويبين أن التمنى ينطلق على القراءة بيت حسان [٦] :
[١] انظر الفقرة : ٢١٢. [٢] د : ولو أن. [٣] من ـ الآية : ١٥٥ من سورة الأعراف. [٤] سورة العنكبوت ، الآيتان : ١ ـ ٢. [٥] ساقط من ف. [٦] هو أبو الوليد حسان بن ثابت الخزرجي الأنصارى ، شاعر النبى صلّى الله عليه وسلم وأحد المخضرمين الذين عمروا ، أدرك فى الجاهلية ستين سنة ، وفى الإسلام مثلها ، قال فيه عمرو بن العلاء : إنه أشعر أهل الحضر! وقال فيه ابن سلام : وهو كثير الشعر ، جيده ، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد ( نسب إليه وليس له ) ، وقد روى عن النبى أحاديث كثيرة. تهذيب التهذيب : ٢ / ٢٤٧. طبقات فحول الشعراء : ١٧٩ ، الأعلام : ٢ / ١٨٨ ـ ١٨٩.