متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٩٠ - ومن سورة الأعراف
ذكره ( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) وذلك يقتضى أنه لم يشأ ذلك ، فلا يصح التعلق به فى أنه تعالى قد فعله.
وإنما يدل على أنه يصح أن يفعله لو شاء ذلك ، وهذا مما لا تمنع منه لو كان الطبع كما قالوه ، لأنه تعالى قادر على أن يمنع الكافر من الإيمان بضروب من الموانع [١] ، لكنه مع التكليف والتخلية لا يجوز أن يفعله ، لأنه يقتضى كونه فاعلا للقبيح ، تعالى عن ذلك!
وإنما ذكر تعالى [ ذلك ] عقيب ما أورده من إنزاله البأس بأهل القرى ، وإحلاله المكر بهم ، لينبه تعالى على [٢] ما يوجب الاعتبار بأحوالهم ، وعلى أنه قادر على إنزال ذلك بجميع الكفار ، وإن كان قد لا يفعله ببعضهم لما يعلمه من المصلحة ، ولهذا قال تعالى : ( تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ) إلى آخر الآية ، مبينا بذلك أنه أورد أحاديثهم لكى يقع بها الاعتبار.
٢٦٠ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه الفاعل فى العبد ما يكسبه ويتصرف فيه ، فقال : ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) [٣] فأضاف ما فعلوه من السجود إليه.
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن ذكر الفعل مع حذف ذكر الفاعل لا يعلم به من الفاعل ؛ لأن اللغوى إذا أراد أن يكتم من الفاعل ذكر الفعل على هذا الحد ، فلا ظاهر للكلام على الوجه الذى تعلقوا به.
ولو كان الله تعالى ألقاهم ساجدين لم يستحقوا على ذلك مدحا ، ولا أضيف السجود إليهم ، ولا الإيمان الذى يقتضيه السجود.
[١] فى د : المنافع. [٢] ساقطة من د. [٣] الآيتان : ١٢٠ ـ ١٢١.