متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٦٨ - ومن سورة « بنى اسرائيل »
والجواب عن ذلك : أن التثبيت على الشيء ليس هو الشيء بنفسه ، لأن الفعل قد يحصل ولا يثبت الفاعل عليه ، وقد يحصل ويثبت عليه ، فلا يدل ظاهره على أنه تعالى إذا ثبته فقد فعل فيه الإيمان ، وعلى هذه الطريقة تجرى هذه اللفظة ؛ لأنه يقال : فلان قد ثبت على هذا الأمر ، وقد ثبت على الفعل ، ويراد بذلك غير الفعل ، لكنا قد علمنا أن الفاعل لا يجوز أن يثبت على فعله لعلة سوى فعله ، فلا بد من أن تحمل الآية على أنه تعالى يثبته بالألطاف والمعونة والتأييد والعصمة [١] ، فلا تدل الآية على ما قاله القوم ، ولو كان تعالى ثبته صلّى الله عليه بأن خلق فيه الفعل ونهاه لم يكن لقوله : ( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) معنى ؛ لأنه كان يجب أن يكون ممنوعا من هذا الركون ، فإنما يصح على ما قلناه.
٤٢٩ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه قد يريد الكفر والقبيح ، فقال : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ) [٨٢] فإذا علمنا أن القرآن لا يجوز أن يزيدهم ، علمنا أن منزله هو الذى زادهم ، وهذا يدل على أنه أراد منهم الخسران وفعله.
[١] سبقت الإشارة إلى مثل هذه الألفاظ عند التعليق على اللطف والتوفيق ( انظر تعليقنا على الفقرتين : ١٤ ، ١٥٤ ) وقد شرح القاضى فى آخر كتابه شرح الأصول الخمسة حقيقة المراد بهذه الألفاظ عندهم! فقال فى المعونة : إنها تمكين الغير من الفعل مع الارادة له ، ولهذا لا يجوز إطلاق القول بأن أفعالنا كلها من جهة الله تعالى ، على معنى أنه أعاننا عليها ، لأنه لا يصح أن يقال إنه أعاننا على المعاصى ، لأنه لم يردها. أما العصمة فهى فى الأصل : المنع ، وصارت بالعرف (عبارة عن لطف يقع معه الملطوف فيه لا محالة ، حتى يكون المرء معه كالمدفوع إلى أن لا يرتكب الكبائر ، ولهذا لا يطلق إلا على الأنبياء ، أو من يجرى مجراهم ) على ما جاء فى شرح الأصول ، وإن كنا نعتقد أن قوله : أو من يجرى مجراهم ) من عبارة معلق الكتاب ، وهو زيدى ، وقد أجاز لنفسه رحمهالله أن يكتب فصل الإمامة فى الكتاب من وجهة نظره كذلك.
انظر شرح الأصول الخمسة ، ص : ٧٧٩ ـ ٧٨٠. وانظر ص ٧٤٩ فما بعدها مع تعليق الأستاذ المحقق الدكتور عبد الكريم عثمان.