متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٩٧ - ومن سورة الأعراف
يكون بمنزلته. فمن هذا الوجه يدل أيضا على نفى الرؤية.
وقوله تعالى : ( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) [١] وبيانه ذلك بقوله : ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) [٢] بعد ذكره أنهم سألوه رؤية الله جهرة ، يدل على نفى الرؤية أيضا [٣].
[ ب ] فأما التجلي فإنما يصح أن يتعلق به من يزعم أنه تعالى جسم يجوز عليه الانتقال ، فأما من لا يقول بذلك ، ويقول إنه لا كالأجسام ، وأنه ليس بمؤلّف فتعلقه بهذا الظاهر ، وإن أطلق هذا القول فيه تعالى ، لا يصح.
وقوله : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) يوجب أيضا أنه التمس أن ينظر إليه ، والنظر : هو تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته ، وذلك لا يصح إلا والمنظور إليه فى جهة مخصوصة ، فهذا لا يصح أن يتعلق بظاهره القائل بالرؤية إذا نفى التشبيه ، وإنما يصح أن يتعلق به المشبهة ، والمشبه لا وجه لمكالمته فى الرؤية ،
[١] من الآية : ١٥٥ فى سورة الأعراف. [٢] من الآية : ١٥٣ فى سورة النساء. وهي أيضا فى طلب بنى إسرائيل رؤية الله جهرة ( انظر الفقرة : ٧٨ ) وليست آية الأعراف بيانا لها ، والأرجح أن تكون بيانا لقوله تعالى ( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) فى آية الأعراف ذاتها ، بدليل تولى شرح القاضى للآية بعد أسطر ، ثم عودته بعد ذلك إلى تفسير الآيات التى تجاوزها بعد الآية ١٤٣ موضوع بحث الرؤية. و ـ الآية ١٥٥ هي ( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا ، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ، إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ).
ولا يبدو فى الآية ـ على كل حال ـ أنها تعقيب على سؤال الرؤية وتوبة موسى منه حتى يصح بها الاستدلال على ما ذكره ، وإنما جاءت بعد ذكر الألواح ورجوع موسى إلى قومه وقد اتخذوا العجل ، فذهب موسى عليهالسلام بمن اختارهم من قومه للوقت الذى وعده الله تعالى أن يلقاه بهم فيه ، للتوبة مما أقدم عليه سفهاؤهم فى أمر العجل. انظر الطبرى : ٩ / ٧٢.
[٣] انظر ما كتبه القاضى أيضا حول رد الاستدلال بالآية على أنه تعالى يرى بالأبصار. المغنى : ٤ ( رؤية البارى ) ص : ٢١٧ ـ ٢٢٠. وما قاله المرتضى فى ذلك وفى مسألة التجلى ـ بتوسع ـ الأمالى : ٢ / ٢١٥ ـ ٢٢١.