متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٤٤ - من سورة براءة
٣٠١ ـ دلالة : وقوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) [٩١].
يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكلف العبد ما لا يقدر عليه ؛ لأنه تعالى قد عذر هؤلاء ، من حيث ضعفوا عن الخروج ، ومرضوا ولم يجدوا النفقة ، ولو كان تعالى يجوز أن يكلف العبد الإيمان ولا يقدر عليه ولا يعذر إذا لم يفعل ذلك ، لكان هؤلاء بأن لا يعذروا أولى!
وبعد ، فإن على قوله لا فائدة فى هذا الباب ؛ لأنه إن خلق فيهم قدرة الخروج خرجوا لا محالة ، ولم يؤثر فى ذلك مرض ولا ضعف ولا فقد نفقة ، وإن لم يخلق القدرة فيهم لم يصح وقوع الخروج وان لم يكونوا مرضى أو فقراء ، بل كانوا أصحاء أغنياء ، وكل قول يؤدى فيمن عذره الله تعالى بأمر أنه لا يعذر بمثله ، وأن حاله كحال من لا عذر له ، قول فاسد!
٣٠٢ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن من خلط عملا صالحا بعمل سيئ أن الله يغفر له ، وإن كان من أهل الكبائر ، بخلاف قولكم فى الوعيد ، فقال تعالى : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) .. [١٠٢].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام إنما يقتضى أنه تعالى يتوب عليهم ؛ لأن « عسى ) من الله واجبة ، وليس فيه أنه تعالى يغفر لهم!
فإن قال : لا يجوز أن يتوب عليهم إلا ويغفر لهم!