متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٤٢ - من سورة براءة
وإن كان لا يمتنع أن يريد به الموت أيضا.
وظاهر « اللقاء ) فى اللغة يقتضى ما لا يقوله القوم ، لأنه يقتضى المماسة ، ولذلك يستعمل فى الأجسام إذا تضامت [١] ، ويستعمل فيما نقيضه المفارقة [٢] ، وإنما استعمل ذلك فى الإنسان مع غيره ، لأنه يدنو منه عند اللقاء ، فيصير فى حكم المضام له ، وهذا مما لا يجوز فيه تعالى ، فكيف يستدل بذلك على الرؤية؟!
٢٩٩ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه منع من تخلف عن الجهاد وطبع على قلبه ، فقال : ( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ) [٨٧].
والجواب عن ذلك قد تقدم من قبل ، من حيث بينا أن الطبع سمة وعلامة يعرف بها حال المطبوع عليه ، لما فيه من الصلاح واللطف ، وبينا أن ذلك لا يمنع فى الحقيقة ، ودللنا عليه بوجوه [٣].
والتعلق به فى هذا الموضع أبعد ؛ لأنه تعالى لم يضف طبع قلوبهم إلى نفسه ، وبينا فيما هذا حاله أنه لا ظاهر له فى أن الفاعل من هو [٤]؟
وقد يجوز أن يراد بذلك : أنهم لشدة تمسكهم بالنفاق صار ذلك بمنزلة أن يفعل فى قلوبهم الطبع ، وهذا كقوله : ( بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) [٥] فجعله. « ربنا » لأنه يصير كالصدإ الذى يلحق القلب ويتركب
[١] قال الرازى : اللقاء وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه شخصه ، وقال الراغب : هو مقابلة الشيء ومصادفته معا ، ويعبر به عن كل منهما ، ويقال ذلك فى الإدراك بالحس والبصر. راجع تاج العروس للزبيدى. ١٠ / ٣٣٠. [٢] د : المارقة. [٣] انظر الفقرة : ١١. [٤] انظر الفقرة : ٤٥ والفقرة ٦٦. [٥] سورة المطففين ؛ الآية ١٤ : [ كَلاَّ بَلْ رانَ ... ].