متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٦٧ - ومن سورة « بنى اسرائيل »
تصرفه ومسيره فى البر والبحر ، فقال : ( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى ) [١] ثم قال بعده : ( وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) [٢].
والجواب عن ذلك : أنه ليس فى ظاهره أنه فعل ذلك أو سيفعله. وإنما قال تعالى : ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ ) [٦٨] ثم قال بعده مبينا لهم أنه المسلّم ، وأن الواجب التوكل عليه والانقطاع إليه : ( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى ) مبينا لهم أنهم لا يؤمنون بذلك ، وليس فيه أنه يفعله بهم ، أو قد فعله بهم. ولو أخبر أنه يفعله بهم لوجب أن يقول : إنه يعيدهم إلى البحر بفعل يفعله. فلا يدل ذلك على أنه الخالق لسائر أفعالهم!
فأما قوله : ( وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) فظاهر « حملناهم ) لا يدل على أنه خلق فيهم تصرفهم فى الموضعين ؛ لأن خالق ذلك فى الحقيقة لا يقال فيه : إنه حملهم ، لأن الحمل هو فعل مخصوص لا يصح إلا على الأجسام. ومتى حمل على خلافه فهو توسع ، وإن ظهر فيه التعارف.
وهذا هو المراد عندنا ؛ لأنه تعالى بين أنه الذى يمكنهم من التصرف فى البر والبحر ، ويعطيهم الآلات التى يركبونها فتصير حاملة لهم ، كالدواب فى البر ، والسفن فى البحر ، وإنما ذكر ذلك على طريق الامتنان بهذه النعم العظيمة ، ولو أراد به أنه يضطرهم إلى ذلك ويخلقه فيهم ، لم يكن له معنى!
٤٢٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يثبت المطيع على الطاعة ، ولو لم تكن من فعله لما صح ذلك ، فقال : ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) [٧٤]
[١] من الآية : ٦٩. [٢] من الآية : ٧٠.