متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٤١ - ومن سورة النحل
أضل [١] العباد من حقت عليه المعاصى وحق عليه الكفر ، لكان خارجا عن اللغة والدين.
ثم يقال للقوم : إذا كان المراد بالآية ما قلتم ، فيجب أن لا يكون لإرسال الرسل إلى الفريقين معنى ، لأن من هداه الله تعالى بخلق الإيمان فيه ، يصير كذلك مع فقد الرسول ووجوده ، ومن أضله فكمثل ، فكيف يجوز أن يكون تعالى يجعل الهدى فيهم ـ والضلال ـ متعلقا ببعثة الرسل؟ ولا بد [٢] إذا بطل ذلك من حمله [٣] على أنه بعث الرسل فدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، واجتناب عبادة الطاغوت ، فمنهم من قبل فهداه الله ، ومنهم من أبى فحقت عليه الضلالة ، وهذا بين.
٤٠٣ ـ وقوله تعالى بعد ذلك : ( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ ) [٣٧] لا ظاهر له فيما يقولون فى الهدى والضلالة ؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى لرسوله : لا تحرص على إيمانهم فإنى أخلق الكفر فيهم! كما لا يجوز أن يقول : لا تحرض على إقامة الأدلة فإنى أعميهم عنها ، وأخلق فيهم خلاف ما تدعوهم إليه ، تعالى الله عن ذلك!
فالمراد بالآية : أنه من يضله تعالى ويعاقبه لكفره ، وفسقه ، لا يهديه إلى الجنة ولا يثيبه ، وإذا كان تعالى لا يثيبه ولا يهديه ، على هذا الوجه ، من حيث لا يستحقه ، فلا تحرص على أن يكون من أهل الثواب. وهذا بمنزلة قوله تعالى : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) [٤].
[١] فى ف : من. وفى د : اصر. [٢] د : ولأنه. [٣] د : قبله. [٤] من الآية : ٥٦ فى سورة القصص.