متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٤٨ - ومن سورة الأنعام
لا على جهة إظهار العداوة ، سيما وظاهر الكلام يقتضى الاستفهام ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر.
والمراد بالآية : أنه صلّى الله عليه لما قرب فقراء المسلمين وألزمهم مجلسه شق ذلك على أشراف العرب ، فألزمهم الله تعالى الصبر ، وسمى ذلك فتنة « لما يقتضيه [١] من المشقة ، فقال تعالى : ( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ).
وقوله تعالى : ( لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ) حكاية عنهم أنهم عند ذلك يستفهمون بهذا القول ؛ لأنهم لا يجوز أن يكونوا منكرين لذلك مع إيمانهم واختصاصهم بالرسول صلّى الله عليه ؛ لأن ذلك يوجب الكفر.
١١٣ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد نهى عن النظر والتدبر [٢] فقال تعالى : ( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... ) [٦٨].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام يقتضى أن الخوض فى آياته يقتضى أن يعرض لأجله ، وهذا مما لا يذهب إليه مسلم ، لأنهم أجمع يقولون : إنه يحسن
[١] ساقط من ف. [٢] يطلق النظر ويراد به معان ، فيراد به الرؤية بالعين ، والإحسان والرحمة ، كما يراد به نظر القلب ، وهذا هو المراد فى إطلاقهم ؛ وحقيقة ذلك هو الفكر ، لأنه (لا ناظر بقلبه إلا مفكرا ، ولا مفكر إلا ناظرا بقلبه ) كما يقول القاضي. وقد عول المعتزلة على النظر الذى يكشف عن الحقيقة ، وبسطوا القول فيه ، وقد خصه القاضى بجزء كبير من كتابه : المغنى ؛ لأن عندهم أن العقل حاكم قبل السمع ، وأن الناس كانوا يحكمون عقولهم قبل ورود الشرائع فيحسنون ويقبحون ، ولما أوجب المعتزلة النظر قالوا بفساد التقليد لما قد يؤدى إليه من جحد للضرورة.
راجع المغنى : ١٢ ( النظر والمعارف ) ص : ٤ ، ص ١٢٢ مع مقدمة المحقق الأستاذ الدكتور إبراهيم مذكور.