متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٩٥ - ومن سورة الزمر
بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍ ) [ ٣٦ ـ ٣٧ ] يجب أن يحمل على الثواب والعقاب ، لأن من هداه الله إلى الثواب فلا مضل له عنه ، ومن أضله عنه وعاقبه فلا هادى له إليه [١]. وقد بينا من قبل أن ذلك الظاهر لا يدل على ما يزعمون فى الضلال والإيمان ، من أنه الإيمان والكفر. [٢]
٦٤٣ ـ وقوله تعالى من بعد : ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) [٤٢] لا يدل على أن الله ـ تعالى ـ خلق الموت والقتل فيه ، لأن ظاهره إنما يقتضى أنه يتوفى الأنفس ، والتوفى لا يفيد الموت والقتل.
وإنما المراد : أنه يستوفى ما فيها من الروح ، إما بنفسه وإما بأمره ، فيكون متوفى لها ، ومتى أريد بذلك الموت فهو مجاز. وقد بينا أنه لو حمل على الموت لم يمنع ذلك من كون القتل فعلا للقاتل [٣] وإنما كان يجب أن يقال : فإنه ـ تعالى ـ يحدث مع القتل موتا ، وهذا مما لا نأباه.
٦٤٤ ـ وقوله تعالى : ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [٥٣] لا يدل على ما يقوله المرجئة من أن الفاسق يغفر له إذا كان من أهل الصلاة ، وذلك لأن ظاهره بأن يتناول الكافر أولى ، لأنه أدخل فى كونه مسرفا على نفسه ، ولا يكاد يقال ذلك فى كل من عصى ، وإنما يقال فيمن بالغ فى المعصية وانتهى فيه إلى غاية عظيمة ، فإذا لم يوجب ذلك غفران الكفار فبأن لا يوجب غفران الفساق [ أولى ].
[١] فى الأصل : إليها. [٢] انظر الفقرتين : ٢٢ و ٤٠٣. [٣] انظر الفقرة : ١٣٢ مع التعليق.