متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٢١ - ومن سورة المائدة
والجواب عن ذلك : أن قوله : ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) ظاهره يقتضى أنه يريد أن ينزل به عقابهما جميعا ، أو تقع منه معصيتهما! وذلك يتناقض! لأن ما يكون عقابا بالواحد لا يصح أن ينزل بالآخر.
وإنما الذى يصح « فى ذلك [١] أن يفعل بالآخر أمثال ذلك العقاب ؛ لأن من حق العقاب أن يوصف به الواقع على طريق الاستحقاق ، فلا ظاهر للقوم يتعلقون به.
والمراد [٢] بذلك أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية أن ابني آدم قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر [٣] فدل بذلك على أنه لم يتقبل منه لمعصية وقعت منه ، وأنه حسد أخاه الذى قبل قربانه فهمّ بقتله ، فعند ذلك قال : إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك ، بمعنى : بإثم قتلك لى ، فلما كان القتل متعلقا به جعل الإثم مضافا إليه.
وأراد بقوله : ( وَإِثْمِكَ ) يعنى : إثم المعصية التى أقدمت عليها ، ورد قربانك لأجلها ، وهذا كما يقول القائل فيمن ظلمه : أريد أن تلعن وتعاقب على ظلمى ، فمن حيث كان ذلك الظلم متعلقا به ، أضافه إلى نفسه.
ولم يرد بالإثم فى هذا المكان : المعصية ، فيكون هابيل مريدا للمعصية من أخيه قابيل ، بل أراد به المستحق على المعصبة. ولذلك قال بعده : ( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) [٤] فبين أنه يريد أن ينزل به كلا [٥] العقوبتين فيدخل النار ويحلان به [٦] ، وأن ذلك هو الذى يستحقه الظالم القاتل للنفس المحرمة.
[١] ساقط من ف. [٢] ساقطة من د. [٣] الآية السابقة ـ ٢٧ ـ قوله تعالى : [ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ، قالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ ، قالَ : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ]. [٤] تتمة الآية. [٥] كذا في النسختين والصواب ( كلتا ). [٦] كذا فى النسختين ؛ ولعل الصواب : ويحل به الإثم.