متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٥٢ - ومن سورة الممتحنة
ومن سورة الممتحنة
٧٦٧ ـ أما تعلقهم بقوله تعالى : ( إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) [٤] فى أنه يدل على أنه ـ تعالى ـ قد لا يجيب النبى إلى ما يدعو به ، وأنه يغفر للكفار ، فبعيد ، وذلك أن ظاهر الآية ليس إلا أنه وعد أن يستغفر له ، ولا يوجب ذلك العلم بحال ما سأل عنه ، وكيفيته ، على ما ذكرناه فى الدعاء [١] ، فالتعلق بظاهره لا يصح. وقد قال : ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) [٢] فبين أنه وعده أنه يؤمن ، ويعدل عن عبادة الأصنام إلى عبادة الله تعالى ، فعند ذلك وعده إبراهيم بالاستغفار ، فلما ثبت على كفره تبرأ منه ، وترك الاستغفار له.
وبعد ، فإن غفران الكفار يحسن عندنا فى العقول ، فلو أريد به الظاهر ، لصح ، وإنما يمتنع عندنا سمعا.
٧٦٨ ـ وتعلقهم بقوله تعالى : ( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) [٥] فى أنه تعالى ينزل بالمؤمن الأمور التى معها يشمت الكافر ، فليس فى ظاهره أكثر من أنهم سألوا ألا يجعلهم فتنة لهم ، وقد يكونون كذلك بأمور من قبله فى الحقيقة ، وظاهره لا يدل على ما قالوه.
والمراد بذلك : أنه يصرف عنه المحن التى عندها يفرح الكفار بهم ، ويلحقهم الغم به ، ويفرحهم ، فيكون فتنة ، ومشقة جديدة. وقد يجوز أن يريد بذلك أن يثبت أقدامهم ، ويقويهم ، ولا يقوى العدو حتى يغلبهم ، فيكون ظفرهم فتنة لهم.
[١] انظر الفقرة : ١٣. [٢] الآية ١١٤ من سورة التوبة.