متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٣٠ - من سورة براءة
وسوء اختيارهم ، فلا يجوز أن يراد به نفس الكفر والصرف عن الإيمان ، على ما يذهبون إليه!
٢٨٩ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جعل كلمة الذين كفروا السفلى ، كما جعل كلمته العليا و « الجعل » يقتضى بظاهره [١] الإحداث ، فيجب أن يدل ذلك [٢] على خلقه أفعالهم ، فقال تعالى :
( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ، وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا ) [٣]
والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يقتضى أنه جعل نفس كلمتهم ، وإنما يقتضى أنه جعلها سفلى ، فهو كقول القائل : جعلت زيدا قائما ، [ فى ] أن ذلك يقتضى إضافة قيامه إليه دون ذاته.
وقد علمنا أن وصف الكلمة بذلك مجاز ، لأن السفل والعلو إنما يصح فى الأجسام ، فلا بد من الاعتراف بأن الكلام مجاز ، فالمراد بذلك أنه تعالى حكم فى كلمتهم أنها بهذه الصفة ، من حيث أبطلها وذم عليها وأزال تأثيرها وبين حالها ، وهذا كقوله تعالى : ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) [٤] لما وصفوها بذلك ، وإن علم أنه يستحيل منهم خلق الملائكة وإنشاؤهم.
٢٩٠ ـ دلالة : وقوله تعالى من بعد : ( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) [٥] يدل على أنهم كذبوا فى قولهم : ( لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ) ولا يكونون فى ذلك كذبة
[١] د : ظاهرا. [٢] ساقطة من ف. [٣] من الآية : ٤٠. [٤] من الآية ١٩ فى سورة الزخرف. [٥] من الآية : ٤٢.