متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٨٨ - ومن سورة النساء
فإن قال [١] : فيجب أن تجوزوا أن يغفر تعالى الكفر الذى ليس بشرك!!
قيل له : إنه أراد بالشرك كل أنواع الكفر ، وذلك هو المتعارف فى الشرع وإن كانت اللغة بخلافه ، كما نقول فى الأسماء الشرعية.
ولا خلاف أيضا فى أن جميع أنواع الكفر لا تختلف فى هذا الباب ، وإنما اختلفوا فى بعض أنواعه من حيث اعتقد فيه بعضهم أنه ليس بكفر أصلا ، كما يقوله أصحاب المعارف فى الشك والجهل بالله تعالى [٢].
فإن قال : فيجب أن يدل الظاهر على تجويز غفران من ليس بكافر.
قيل له : هذا لا يقال إن الظاهر يدل عليه ؛ لأن هذا التجويز هو شك ، ولا يجوز أن يستدل بكتاب الله تعالى على الشك ، فتجويز غفران ما دون الشرك قد كان فى العقل ، من حيث فقدنا الدليل على أنه تعالى يعذبهم قطعا ، والآية وردت ناقلة لنا فى الشرك عن حكم العقل ، مبقية فيما دون الشرك ، على ما كنا عليه ، فيجب أن ينظر : فإن كان فى السمع ما يدل على أنه تعالى يعاقب غير الكفار فيجب أن يقال فيه ، ولا يصح فى هذه الآية « أن تكون مانعة ، كما
[١] ف : قيل. [٢] يرى أصحاب المعارف ، وعلى رأسهم الجاحظ وثمامة بن أشرس ، أن المعارف إنما تقع ضرورة بالطبع عند النظر فى الأدلة ، ويقولون في النظر : إنه ربما وقع طبعا واضطرارا وربما وقع اختيارا ، فمتى قويت الدواعي في النظر وقع اضطرارا بالطبع ، وإذا تساوت وقع اختيارا. فأما إرادة النظر فإنه مما يقع باختيار كإرادة سائر الأفعال ، وهذه الطريقة هي التى دعت الجاحظ إلى التسوية بين النظر والمعرفة وبين إدراك المدركات ؛ في أن جميع ذلك يقع بالطبع.
وينسب القاضى إليهم هنا ـ وقد رد على نظريتهم مطولا فى المغنى ـ أنهم لا يرون الشك والجهل بالله تعالى من الأمور المكفرة ، بناء على مذهبهم هذا ، لأن المعاند قد نظر فعجز عن إدراك الحق وبقى على غير ملة الاسلام ، وهذا ما نسبه الغزالى إلى الجاحظ وفصل القول فيه. انظر : المغنى ١٢ / ٣١٦ فما بعدها الملل والنحل ١ / ٩٠ ، ٩٤ المستصفى ٢ / ١٠٦.