متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٠٧ - ومن سورة النساء
١٧٤ ـ مسألة [١] : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن صاحب العدد [٢] من النساء لا يستطيع أن يعدل بينهن ، وإن كان قد كلف ذلك ، فقال : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) [٢٢٩] وهذا يدل على تجويز تكليف ما لا يطاق. [٣]
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنهم لا يستطيعون أن يسووا بين النساء ، ولم يذكر الأمر الذى يسوى بينهن فيه ، وما هذا حاله لا يستقل بنفسه ، فلا يصح التعلق بظاهره ؛ لأن أحدنا لو قال لغيره : لا تستطيع أن تسوى بين زيد وعمرو ، لم يعقل المراد به إلا بذكر الأمر المخصوص الذى أراده.
والمراد بالآية : أن أحدنا لا يستطيع فيما يتعلق بميل النفس والشهوة ، أن يسوى بين النساء ؛ لأن ذلك من خلق الله تعالى فيه ، ولذلك ترى بعض الناس لو اشتد حرصه على أن يشتهى ما يسهل عليه تناوله ليتمكن من القناعة ، لم يتمكن من ذلك ، فلو أراد قصر شهوته [٤] على ما تحويه يده لما أمكنه ، فصارت الشهوة بمنزلة الصحة والهيئة واللون [٥] وغيرها ، فى أنه لا قدرة للعبد فيه ولا استطاعة ، والله تعالى لم يكلف أن يسوى المرء بين نسائه فى هذا الوجه ، وإن ألزمه التسوية بينهن فى القسم والأحكام المتعلقة بأفعال الجوارح ، ولذلك قال عليهالسلام : « هذا قسمى فيما أملك ، فلا تؤاخذنى فيما [٦] لا أملك [٧] ) يعنى ما يتعلق بشهوة القلب.
[١] ساقطة من د. [٢] ف : العدة. [٣] ساقطة من د. [٤] د : شهيته. [٥] ف : الألوان. [٦] د : بما. [٧] الحديث من رواية عائشة رضى الله عنها ، وقد أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة ، وفى أبى داود عنها : ( قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقسم بين ـ