متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٧٥ - ومن سورة يس
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه جعلهم بهذه الصفة ، وهذا لو ثبت لما منع من الإيمان ، لأن الغل والسد لا يمنعان من الإيمان ، ولو أن العدو عمل ذلك بالأسير لم يمنعه ذلك من الإيمان ، والقيام بما كلف ، فالتعلق به فى الوجه الذى ذكروه لا يصح!
وبعد ، فإن المعلوم من حالهم أنهم لم يكونوا كذلك ، فحمله على ظاهره تكذيب للخبر ، فالضرورة توجب صرفه إلى خلافه.
وقد بينا من قبل فى أمثاله : أن المراد به التمثيل والتشبيه لحالهم بحال المقيّد المغلول الممنوع بالسد والحجب ، من حيث لم ينتفع بما سمع ، وأعرض عن الاستدلال ، وشرحنا ذلك بما يغنى عن الإعادة [١].
٦١٦ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه يخلق أعمال العباد ، فقال : ( وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ، وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) [٣٥] فخبر بأنه جعل ما عملته أيديهم.
والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) يقتضى الرجوع إلى أقرب المذكور ، فكأنه تعالى قال : وفجرنا فيها من العيون ، لكى يأكلوا من ثمره ، وما عملته أيديهم من المكاسب ، وقد علمنا أن رجوعه إلى هذا وإلى ما تقدم لا يصح ، لاختلاف الغرضين ، فليس إلا ما ذكرناه. ولو حمل على
[١] انظر الفقرة : ٢١.