متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٠٢ - ومن سورة الأنبياء
فأما أن تحمل الآية على أنه تعالى جعلهم كذلك بأن حمّلهم الرسالة ، فهذا صحيح عندنا ، ويمكن معه [١] حمل الكلام على الظاهر ، ولذلك قال : ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) فنبّه على هذا الوجه الآخر.
٤٧٩ ـ وقوله تعالى من قبل : ( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ ) [٧٢] يجب أن يحمل على ما ذكرناه ، وإن لم يمتنع أن يقال : إنه تعالى جعلهم فى الحقيقة صالحين فى خلقتهم وأحوالهم ، ويكون ذلك من خلقه تعالى.
ولا يمتنع أن يراد بكل ذلك أنه تعالى أخبر بذلك وحكم به ، وذلك بالعادة والتعارف صار كالحقيقة ، ألا ترى أن الرجل يقول فيمن يخبر عن غيره بأنه سارق أو لص : قد جعلتنى سارقا لصا ، إذا كان لقوله تأثير فى هذا الباب ، فلما أخبر تعالى من حالهم ، بما ذكرنا ، جاز أن يضاف إليه على هذا الحد من الإضافة.
٤٨٠ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه قد يفهم بعض المؤمنين والأنبياء الصواب ، ويضلّ عنه غيره فقال : ( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) [٨٨].
والجواب عن ذلك : أن ظاهره ليس إلا أنهما حكما فى القضية المذكورة ، وأنه تعالى عالم بحكمهما ، وأنه فهّم سليمان. ولا يدل شيء من ذلك على ما ظنه القوم ؛ لأنه ليس فى تخصيصه سليمان بالذكر دلالة على أنه لم يفهم داود ولم يدله على الحق ، ولو صح أنه ذهب فى القضية عن الصواب كان ذلك لا يدل على أنه تعالى أضله ، لأن مع البيان قد يجوز أن لا يتبين المكلف على بعض الوجوه.
[١] ساقطة من ف.