متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٢٤ - ومن سورة النور
جل وعز خصهم بالذكر ، ولا يكون الأمر كذلك إلا والفاحشة إذا ظهرت من المؤمن لا يكون الحال فيها كالحال إذا كتمها ، وهذا دلالة على أن المستحب أن يكتمها وأن لا يفضح نفسه ، لأنه إذا رغب غيره [١] فى ذلك فكذلك حاله.
ومنها : أن المحب للمنكر ولظهوره فى حكم المقدم عليه ، فى أنه بمنزلة إقدامه على المنكر ، وأنه يجوز أن يؤاخذ كمؤاخذة من أقدم على ذلك.
ولا تدل هذه الآية على أن المقدم على الفاحشة مؤمن ، على ما تقوله المرجئة ؛ لأنه تعالى إنما ذكر محبة ظهور الفاحشة فى الذين آمنوا ، ولم يبين أنها إذا وقعت كيف حالهم ، ولا يمتنع أن يكون المؤمن مؤمنا ثم يظهر فى المستأنف ما يخرج به عن هذه السمة [٢] ، وقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ) يفيد الاستقبال لا محالة ، فكيف يدل على ما قالوه؟
وإذا ثبت أن من هذا حاله له عذاب فى الآخرة لا محالة ؛ بطل القول بالشفاعة ، على ما يقوله من يذهب إلى أنه بشفاعته لا يدخلون النار.
٥١٠ ـ وقوله تعالى من بعد : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) [٣] يدل أيضا على قولنا فى الوعيد ، لأنه تعالى بين كونهم ملعونين [ و ] أنهم من أهل النار والعقاب ، وبين بقوله : « فى الآخرة ) ، أنهم يبعدون من الثواب ، وينزل بهم العقاب هناك ، وبين مع ذلك أن لهم عذابا أليما ، سوى اللعن الذى هو بالقول.
٥١١ ـ مسألة : قالوا ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لا يمتنع أن يكون
[١] ف : غيرهم. [٢] د : السمعة. [٣] الآية : ٢٣ وتتمتها : ( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ).