متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٦٢ - ومن سورة « بنى اسرائيل »
فإن قيل : فقد قرئت الآية على وجه يدل على أنه تعالى يريد الفسق والفساد ، وهو بتشديد الميم من : « أمرنا ) [١] وإذا أمرهم بهذا ، فيجب أن يكون قد أراده منهم.
قيل له : هذا كالأول فى أنه لا يدل على أنه أمّرهم ومكنهم لكى يفسقوا ، فيجب أن يكون المقصود بتأميرهم غير مذكور ، وأن يحمل الأمر فيه على أنه جعل إليهم الإصلاح ومكنهم من ذلك ففسقوا وأفسدوا ، وليس التأمير والتمكين بأكثر من الإقدار والتمكين بالآلات فى العصاة. وذلك يحسن عندنا ، لأن العبد معه ، وعنده ، لا يخرج من أن يكون ممكنا من الطاعة ومن مفارقة المعصية.
فأما إذا قرئ ( أَمَرْنا ) بالتخفيف [٢] فيجب أن يكون المراد به ؛
ـ [ وَإِذا أَرَدْنا ] : (وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل ، أمرناهم ففسقوا ، أى : أمرناهم بالفسق ففعلوا ) ثم قال : (والأمر مجاز ؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق ، أن يقول لهم افسقوا ، وهذا لا يكون ، فبقى أن يكون مجازا ، ووجه المجاز : أنه صب عليهم النعمة صبا ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصى واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك ، لتسبب إيلاء النعمة فيه ، وإنما خولهم إياها ليشكروها ويعملوا فيها الخير ، ويتمكنوا من الإحسان والبر ، كما خلقهم أصحاء أقوياء ، وأقدرهم على الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية ، فآثروا الفسوق ، فلما فسقوا حق عليهم القول ، وهو كلمة العذاب ، فدمرهم ). ولعله أصح وجوه التأويل فى الآية. انظر : الكشاف : ٢ / ٣٥٤ ـ ٣٥٥. وانظر ما كتبه أبو عبيد الله البكرى ( عبد الله بن عبد العزيز ) حول الآية وما أورده من وجوه قراءة ( أمر ). التنبيه على أوهام أبى على فى أماليه. الطبعة الأولى بدار الكتب المصرية سنة ١٣٤٤. ص : ٤٢ ـ ٤٣.
[١] رواها الطبرى بسندها عن أبى عثمان النهدى ، وذكرها ابن خالويه فى ( القراءات الشاذة ) عنه ، وعن الليث عن أبى عمرو ، وأبان عن عاصم ، انظر الطبرى : ١٥ / ٥٥. لقراءات الشاذة لابن خالويه ، ص : ٧٥. [٢] يصح أن يقال على القراءة الأولى ـ بقصر الألف وتخفيف الميم وفتحها ، وهى قراءة عامة قراء الحجاز والعراق ـ إن المعنى : أكثرناهم ، قال الطبرى : ذكر بعض أهل العلم أن : أمرنا : أكثرنا ) ولكن هذا من غير المشهور وقد سبق للقاضى كذلك أن ذكر وجه التأويل فيها ، وهو ما علقنا عليه آنفا. فالذى يعنيه بقراءة التخفيف هنا ـ فيما يبدو ـ قراءة من قرأ ـ