متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٣٨ - من سورة براءة
نص الكتاب على خلافه ، وحمله على الوجه الصحيح ظاهر ؛ لأنه تعالى بين أن إنفاقهم المستقبل لا يتقبل ، لتقدم الكفر والفسق وترك الصلاة والإنفاق [١] على غير وجهه منهم ، وأحد الإنفاقين غير الآخر.
٢٩٥ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد كفرهم كما يزيد تعذيبهم ، فقال : ( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) [٥٥].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام أنه تعالى يريد تعذيبهم للأحوال التى ذكرها ، وإزهاق أنفسهم كذلك. وليس فيه أنه يريد كفرهم ، وإنما ذكر أنهم فى حال ما أراد منهم كافرون ، ولا يجب إذا أراد منهم الشيء وهم على حال وصفة أن يريد كونهم كذلك ، لأن أحدنا قد يريد من الطبيب معالجة ولده فى حال مرضه « ولا يريد مرضه وإن كان [٢] لو زال لم يرد المعالجة ، فكذلك أراد تعالى ذلك بهم [٣] وهم كفار ، ولو زال كفرهم لم يرده ، وكل ما يريده تعالى من العقاب وما شاكله فإنما يريده بالعبد إذا كان كافرا ، خصوصا إذا كان الكلام فى حال التكليف.
فبين عز وجل أن أموالهم وأولادهم ، وإن كان ظاهره نعمة ويعجب بمثله ، فإنه تعالى يريد أن يعذبهم بها فى الدنيا بإحلال الغموم والأحزان بهم [٤] وصرفهم لها [٥] إلى ما يوجب العقاب ، ولأنها صارت فى حكم السبب لكفرهم ، ثم بين أنه يريد إزهاق أنفسهم وإهلاكهم لسوء اختيارهم فى ثباتهم على الكفر مع تمكنهم من الإقلاع ، وهذا بين ظاهر.
[١] ف : ولا الإنفاق. [٢] ساقط من د. [٣] د : منهم. [٤] ساقطة من ف. [٥] د : بها.