متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٢١ - ٨٩٧ ـ مسألة فيما ذكرناه من أنواع اللطف
فهذا الباب مما عدمه لا يوجب قبح التكليف ، والذى يوجب قبحه فقد التمكن منه. وهذا كنحو الشرائع التى كلفناها ، لأنا مكنا منها وأوجد السبيل إليها ، فإن لم نفعلها ولم نختر لأجل ذلك سائر ما كلفناه عقلا ، فمن قبل أنفسنا أتينا.
وهذا الوجه هو الذى إنما يكون لطفا بأن يقع من المكلف على وجه مخصوص ، لا يتم إلا بالخضوع والتذليل وضروب من المفاصيل. لأن ما يفعل منه من ذلك لا يتم إلا بأن يباشر فعله فى الوجه الذى ذكرناه ، فيصير من حيث يقع من فعله ، كأنه مخالف لما يقع من فعل غيره ، فى الوجه الذى ذكرناه.
وأما ما يكون لطفا من فعل غير المكلف والمكلف ، فالقديم تعالى لا بد من أن يمكنه ، ولا بد من أن يكون العموم من حاله أنه سيفعله لا محالة ، ومتى لم يكن كذلك لم يتم اللطف. وقبح التكليف. وهذا نحو تعبد الله تعالى للأنبياء عليهمالسلام لأداء الرسالة ، لأن ذلك إنما يحسن لأنه لطف ، فمتى ما لم يعلم من حالهم أنهم سيقومون بالأداء على الوجه الذى كلفوا ، لم يحسن من الله تعالى أن يكلف من بعثهم إليه لطفا له ومصلحة.
فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى هذا الباب. ولا رابع لها البتة.
٨٩٧ ـ مسألة فيما ذكرناه من أنواع اللطف
اعلم أن فى جملة الألطاف التى نذكرها ما لا نقطع من حاله أن عنده يختار المكلف الفعل لا محالة ، لكنه متى خاف المكلف عنده من عقاب إن هو لم يفعل ما كلفه ، يصير حكمه ، بحصول اخوف ، حكم اللطف فى الحقيقة. وهذا بمنزلة ما نقوله من أن معرفة الله تعالى لطف للمكلفين ، لأن [١] عندها يعرف الثواب
[١] فى الأصل : أن.
(م ـ ٤٦ متشابه القرآن)