متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٥ - مقدمه
وأما قوله عز وجل : ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ) فقد تأوله العلماء على وجهين : أحدهما : أنه عطف بقوله : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) عليه ، فكأنه قال : وما يعلم تأويله الا الله والا الراسخون فى العلم ، وبين أنهم مع العلم بذلك يقولون آمنا به فى أحوال علمهم به ، ليكمل مدحهم ، لأن العالم بالشيء اذا أظهر التصديق به فقد بالغ فيما يلزمه ، ولو علم وجحد كان مذموما.
والثانى : أن قوله تعالى : ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ) مستقل بنفسه ، ثم ابتدأ بقوله : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ). وحمل أصحاب هذا القول التأويل على أن المراد به المتأوّل ، لأنه قد يعبر بأحدهما عن الآخر ؛ ألا تراه عز وجل قال : ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [١] ) والمراد به المتأوّل والمعلوم من حال المتأول الذى هو يوم القيامة والحساب ومقادير العقاب أنه عز وجل يختص بالعلم به وبوقته ، لأن تفصيل ذلك لا يعلمه أحد من العباد.
فعلى هذا القول لا يجب أن يكون المتشابه مما لا يعلم المكلف تأويله.
ولو كان المراد به ما قاله المخالف ، من أن المتشابه لا يعلم تأويله الا الله ، وأن سائر المكلفين انما كلفوا الإيمان به ، لم يكن لتخصيصه العلماء ـ فى باب الإيمان به ـ بالذكر معنى!! لأن غير العلماء لا يلزمهم الا ما يلزم العلماء ، فلما قال : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) فخصهم بذلك ، علم أن المراد به أنهم لما علموا المراد بالمتشابه صح منهم الإيمان به فخصهم [٢] بالذكر دون غيرهم.
ولو لا أن الأمر كما قلناه [٣] لم يكن لجعله تعالى المحكم أصلا للمتشابه معنى ان لم يلزم الا [٤] الايمان به!.
[١] من الآية ٥٣ سورة الأعراف. [٢] ساقطة من د [٣] د : قلنا [٤] ساقطة من د