متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٨٤ - ومن سورة والصافات
الآية يدل على ما قلناه وذلك يوجب أنه أورد ذلك عليهم مورد الحجاج ، ليصرفهم به عماهم عليه من عبادة الصنم ، ولكى يعدلوا عن عبادة الصنم إلى عبادة الله تعالى. فلو حمل الكلام على ما قالوا لكان إبراهيم كأنه قال لهم : أتعبدون الأصنام ، والله خلقكم وخلق فعلكم؟ ولو أراد ذلك لكان فى نهاية الركاكة ، وكان لهم أن يقولوا : وما فى أنه خلقنا وخلق أعمالنا ما [١] يوجب أن ننصرف عن عبادة الصنم ، فليس الصنم نحن ، ولا عملنا وإنما هو ثالث لهذين الأمرين اللذين ذكرنا ، فكيف ننصرف عن عبادته من حيث ثبت فى غيره أن الله خلقه؟ فكانت الحجة لهم عليه ثابتة ، وكل قول يؤدى إلى لزوم حجة الكفار للأنبياء ، فهو فى نهاية الفساد.
فالصحيح إذن ما ذكرناه من أنه بين أنكم تعبدون ما الله خلقكم وخلقه ، فبأن تعبدوا الله الذى خلق الأمرين ، وهو مالك الضر والنفع ، أولى من أن تعبدوا الصنم الذى فى أصل وجوده يحتاج إلى الإله الذى أدعوكم إلى عبادته ، فضلا عن سائر صفاته. وقد علمناه أنه متى حملوه على هذا الوجه فحجته لهم لازمة ، فحمله عليه أولى. وعلى هذا الوجه سلك الحجاج الذى قبله حيث قال : ( ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) [٩٢] وقال لهم : ( أَلا تَأْكُلُونَ ) [٩١] ليتبين ذلك [٢] للسامع أن الأصنام إذا لم يصح منها النظر ولا الأكل ولا التصرف فهى مدبّرة ، فلا يصح أن تعبد وتترك عبادة الله تعالى المدبر للخلائق.
وبعد ، فإنه جل وعز حكى عن قوم إبراهيم ، عليهالسلام ، أنهم كانوا عباد أصنام ، وأنه صلّى الله عليه ، كان يخاطبهم دائما فى ذلك ، ولم يحك عنهم الكلام
[١] فى الأصل : مما. [٢] لعلها زائدة.