متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٨٥ - ومن سورة والصافات
فى خلق الأفعال ، وأنهم أضافوها إلى العبيد أو إلى القديم تعالى ، فكيف يصح ، ـ مع أن هذا هو المعلوم من حال قومه ، وصدر الآيات وعجزها ، بل جميعها ، هو فى هذا الباب ـ أن يذكر فى خلاله ما لا يتعلق به ولا يليق بما هو فيه؟ وكل ذلك يوجب بطلان ما حملوا الآية عليه.
وبعد ، فإن الأمر لو كان كما قالوا ، وصح كونه خالقا لتصرفهم [ لما صح ] ، أن يجعله عملا لهم ؛ لأن العمل إنما يكون عملا للعامل بأن يوجده ويحدثه ، ومتى وجب ذلك استحال أن يكون تعالى خالقا له ، لأن خلقه لا يفيد إلا إخراجه من العدم إلى الوجود ، فإذا حصل كذلك بمن عمله فما الفائدة فى كونه خلقا له تعالى؟ هذا يوجب أن يكونوا قد حملوا الكلام على وجه يتناقض!
وبعد ، فلو أراد تعالى بذلك أفعال العباد ، على ما زعموه ، لكان الظاهر لا يقتضي ما قالوه ، لأنا قد بينا أن ظاهر الخلق هو التقدير ، وأنه لا يمتنع من حيث اللغة أن يكون الخالق خالقا لما لم يفعله فى الحقيقة ، إذا دبره وقدره والفاعل غيره [١] فكان يجب على هذا الوجه الذى ذكروه أن يقال إنه تعالى أراد : والله دبركم ودبر أعمالكم ، ولا يجب كون عملنا خلقا له تعالى.
وبعد ، فإن ظاهر الكلام يقتضى أن يكون المراد بقوله : ( وَما تَعْمَلُونَ ) أمرا مستأنفا ، لأن اللفظة تدل على الاستقبال وقد علمنا أن ما سيعملونه [٢] ، مما لم يوجد بعد ، محال أن يكون خلقا له تعالى ، لأن ذلك هو صفة الموجود على بعض الوجوه. ومتى قالوا : إن المراد بذلك ليس هو الاستقبال ، بل المراد به عملهم الذى تقضى ، أو الكائن ، فقد زالوا عن الظاهر ونازعونا فى التأويل
[١] انظر الفقرة : ٢٢٠. [٢] فى الأصل : ما يستعملونه.