متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٨٦ - ومن سورة والصافات
ويصير الكلام متناقضا ـ لأنه كأنه قال : والله خلقكم وخلق المعدوم الذى لم يوجد ـ ويوجب أن لا يكون فى القول فائدة ، وأن لا يتعلق ذلك بما وبخهم عليه ، وبكتهم به.
وبعد ، فإن كان الظاهر يوجب ما قالوه ، فيجب أن لا يكون عملهم باطلا ، ولا قبيحا ولا متفاوتا ، لقوله تعالى : ( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) [١] ولقوله تعالى : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) [٢] وقد علمناه متفاوتا ، ويقبح ، ولا بد من كونه باطلا ، خصوصا عبادة الأصنام والأوثان ، فلم صاروا بأن يتعقلوا بظاهر هذه الآية بأولى من سائر الآيات فى المنع من التعلق بظاهرها ، وقد علمنا أن الحكيم إذا بين بعض الأمور وأوضحها ، فالواجب فى خطابه من بعد أن يترتب عليه ، ومتى رتب على ذلك لم يعد ذلك خروجا عن الظاهر ؛ لأنه يخاطب على معهود وعرف. فإذا كان تعالى قد بين من جهة العقل أن تصرف العبد الذى يستحق به الحمد ، والذم ، والثواب ، والعقاب ، ويقع بحسب دواعيه ومقاصده ، وبحسب اختياره وعلمه وآلاته ؛ لا بد من أن يكون واقعا من جهته ـ لأنه لو كان فعلا لغيره لم يجب كونه موقوفا على قدره وعلومه وآلاته ودواعيه ـ ثم بين من جهة السمع مثل ذلك ، ونبه على أنه لا يفعل إلا الحسن الذى لا تفاوت فيه ، والمتقن المحكم ، فالواجب فيما دبر من الآى إذا احتمل ما يوافق [٣] ، أن يكون حمله على ذلك كالظاهر المعهود المتقدم ، على بيناه.
وكل ذلك يبين أن تعلق القوم بمثل هذا يدل على ذهابهم عن طريق
[١] سورة الملك ، الآية : ٣. [٢] سورة السجدة ، الآية : ٧. [٣] أى : ما يوافق هذه الجملة.