متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤١٧ - ومن سورة الرعد
و [ أما ] العبد فحاله مع الكفر فى ذلك أبعد! لأنه لم يفعله ولا حصل له سبيل إلى إزالته عن نفسه ؛ لأنه تعالى هو المختار لفعله فيه ، ولا يجوز أن يقف اختياره على إرادته ، فكان يجب أن يكون بزوال اللوم عنه أحق.
ومنها : أنه كان يجب ـ على قولهم ـ أن لا يكون لهذه المخاطبة الجارية بين الشيطان ومن اتبعه معنى ؛ لأنه تعالى هو الذى فعل فيه الدعاء ، وفيمن اتبعه الاستجابة ، وهما كالظرف لفعله ، فما وجه هذا الخطاب الذى يقتضى تحقيق الذم فى أحدهما دون الأخر؟ وقد كان الأولى أن يظهر العذر ويذكر أنهما محمولان على ما وقع فيهما ، مضطران إليه ، فاللوم عنهما جميعا زائل.
٣٧٧ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يفعل الإيمان والتوحيد فى القلوب والألسنة ويثبتهما ، فقال تعالى : ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) [٢٧].
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه يثبت الذين آمنوا ، وليس فيه بيان الأمر الذى يثبته عليه ، وقوله تعالى. ( بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) لا يدل ظاهره على أنه الأمر الذى يثبته عليه ؛ بل يحتمل أن يراد به أنه يثبته لأجل ذلك ، كما قال تعالى : ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) [١] وكما قال : ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ... ) [٢] إلى ما شاكله ، فلا يصح إذا أن يتعلقوا بالظاهر.
والمراد بذلك : أنه تعالى يثبتهم فى نعيم الدنيا وفيما يختصون به من الإكرام
[١] من الآية : ٩ فى سورة يونس [٢] من ـ الآية : ١٦٠ فى سورة النساء.
(م ـ ٢٧ ـ متشابه القرآن).