متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٧٧ - ومن سورة يس
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) [ ٦٠ ـ ٦٢ ] يدل على قولنا فى العدل ، من وجوه :
أحدها : أنه تعالى منع من عبادة الشيطان والقبول منه ، لأنه عدو. وعلى قولهم ؛ يوجب ذلك أن لا يقبل منه تعالى أيضا ؛ لأن عداوته للكافر أشد ، لأن الشيطان إنما يدعو إليه ويزينه ، والله تعالى يخلقه فيه على وجه لا مخلص له منه! فما أوجب أن لا يقبل من الشيطان ، يوجب أن لا يقبل منه تعالى على زعمهم!.
ومن وجه آخر ، وهو ـ على قولهم ـ يجب أن تكون العداوة من الشيطان لا تصح ، وإنما تصح من قبله تعالى ، لأن الشيطان لو دعاه ، وبلغ النهاية فيه ولم يختر تعالى خلقه الكفر فيه لكان وجود ما فعله كعدمه ، ولو خلق فيه تعالى ذلك لوجب كونه كافرا وإن لم يدعه الشيطان أو رغبه فيه. وهذا يوجب كونه تعالى هو العدو للكافر دون الشيطان! وذلك يؤدى إلى أمرين فاسدين : أحدهما : أنه تعالى جعل ما ليس بموجود فى الشيطان علة فيه! والثانى : يوجب كونه علة فيه تعالى ، ونفاه عن نفسه!!
وبعد ، فإنه تعالى فعل فى الشيطان ما صار به عدوا لبنى آدم ، ولو لا فعله ذلك لم يصح كونه عدوا. فيحب أن يكون تعالى هو العدو للكافر ـ على قولهم ـ من وجهين : أحدهما أنه فعل به الضرر. والآخر أنه فعل بغيره دعاءه إلى الضرر. فهو العدو والحامل للعدو على العداوة ، وقد علمنا أن العاجز عن
(م ـ ٣٧ متشابه القرآن)