متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٩٣ - ومن سورة النساء
والجواب عن ذلك : أن الواحد منا قادر فى الحقيقة على قتل نفسه ، كما يقدر على الخروج من داره ، وإن شق ذلك عليه من حيث الألم ، ومن جهة أنه يقطعه عن الحياة والمنافع ، فلو أنه تعالى كلف المرء ذلك لم يكن قد كلف ما لا يطاق. ويفارق ما يقوله القوم من تكليف الكافر الإيمان ولم يقدره عليه ، ولا أوجده السبيل إليه. بل فعل فيه أضداده ، ولو لم يكن ذلك ممكنا مقدورا لم يصح أن يقع من القليل منهم [١] ، لأن ما لا يستطاع لا يقع من أحد البتة.
وإنما أراد تعالى بذلك أن يبين أنهم لن يفوزوا بالثواب إلا بعد تكليف طاعة الله وطاعة رسوله عليهالسلام ، وأن لا يعدلوا عما قضاه الله وقضاه رسوله ، بعثا لهم على التمسك بالتكليف وإن شق.
فإن قال : فيجوز عندكم أن يكلف الإنسان قتل نفسه فى الحقيقة أم لا؟
قيل له : إن ظاهر الآية لا يدل فى ذلك على منع أو جواز ، لأنه تعالى قال : ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا ) وقد يقدر الشيء الذى لا يجوز كما يقدر الجائز.
فإن قال : فما قولكم فيه وإن لم يدل الظاهر عليه؟
قيل له : يبعد فى كمال العقل أن يكون واجبا على المرء ، لأنه لو وجب لم يكن ليجب إلا لكونه لطفا فى غيره ، ومن حق اللطف أن يتقدم الملطوف فيه ، وليس بعد القتل حال تكليف ، وإنما يصح ذلك على مذهب من يقول : إن اللطف يضامّ ما هو لطف فيه ، فأما مع وجوب تقدمه فبعيد [٢].
[١] ساقطة من د. [٢] ينقسم اللطف إلى متقدم للتكليف ، ومقارن له ، ومتأخر عنه ، ولا شك عند القاضى فى عدم وجوب المتقدم والمقارن ، أما ( ما يفعله تعالى بعد حال تكليف الفعل الذى هو لطف فيه فإنه واجب فعله عليه تعالى ) وينقسم اللطف عندهم من وجه آخر إلى : ما كان من فعله تعالى ، وما يكون من فعل المكلف الذى اللطف له ، وما يكون من غير فعل الله تعالى وغير فعل المكلف. انظر : شرح الأصول الخمسة : ٥٢٠ ـ ٥٢١ المغنى : ١٣ / ٢٧ فما بعدها.
( م ـ ١٣ متشابه القرآن )