متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٩ - ومن سورة البقرة
٦٢ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يريد الفساد ، فقال : ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) [١].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه يأمر بالفساد والاعتداء ، وليس ذلك بمذهب لأحد ، لأن من يجوّز أن يريد الفساد لا يجوّز أن يأمر به ويبيحه.
والمراد بذلك : أنه أمرنا بالمجازاة على الاعتداء والانتصاف من المعتدى ، وأجرى الاسم عليه على سبيل المجاز ، على ما قد بيناه من قبل [٢].
ثم يقال للقوم : يجب على قولكم أن يكون تعالى فعل الاعتداء أولا ثم فعله ثانيا ، وما حلّ هذا المحل لا يكون حسنا ، ولا يصح كونه جزاء ومقابلة.
وقوله تعالى من بعد : ( وَاتَّقُوا اللهَ ) يدل على أنه أمر فيما تقدم بالمجازاة وأن لا يتجاوز المكلف ذلك إلى المحظور فلا يكون متقيا. وقد بينا أن الأمر والنهى ، والمدح ، والذم ، والتوبيخ ، واللوم ، والاستبطاء ، والثواب ، والعقاب ، والوعظ ، والإنذار ، وسائر ما فى القرآن من ذلك ، لا يصح إلا إذا قيل : إن العبد يفعل ويختار فيختص بهذه الأحكام.
٦٣ ـ مسألة : وقوله تعالى بعد ذلك : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) لا تعلق للمشبهة به [٣] ، لأنه إنما أراد : أنه معه فى معونته وتأييده وإثابته وحفظه فى هذه الوجوه ، والدفع عنه ، ولذلك خص به المتقين.
٦٤ ـ مسألة : وقوله تعالى من بعد : ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [١٩٥] من أوضح ما يدل على العدل ، لأنه
[١] قال تعالى : ( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وَاتَّقُوا اللهَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) سورة البقرة ١٩٤. [٢] انظر الفقرة : ٢٠. [٣] في د : للمشيئة.