متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٠٩ - ومن سورة النساء
الكلام دالا على الماضى غير مؤذن بالاستقبال ، ولما صح أن يكون ذلك جزاء وعقابا ، ولا أن يجرى مجرى الذم والتخويف من الكفر ، وهذا بين.
١٧٦ ـ دلالة : وقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) [١٤٤] يدل على أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، وأنه إذا لم تكن عليه الحجة لم يحسن فى الحكمة تعذيبه ؛ لأنه تعالى نهاهم أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ثم قال : ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) وقد علمنا أنه لم يرد اقتداره عليهم ، لأن ذلك حاصل على كل حال ، أتخذوهم أولياء أو اتخذوا المؤمنين. فالمراد بذكر السلطان الحجة.
وهذا يبين أنه تعالى لا يعاقب إلا من الحجة لله تعالى عليه ظاهره ، ولو أنه كلف من لا يقدر لم يصح ذلك ، لأنه يجب أن تكون الحجة له على الله ، على كل وجه ، من حيث لم يزح علته فيما كلفه ، ولا أوجد له السبيل إليه. وهذا ظاهر.
١٧٧ ـ دلالة : وقوله تعالى : ( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ ) [١٤٨] يدل على أن ما يقع [١] من الجهر بالسوء من القول من العباد لا يجوز أن يكون مريدا له ، لأن المحبة فيه تعالى هو ، بمعنى الإرادة. وهكذا حقيقتها فينا وإن استعملت توسعا فى باب الشهوة ، والشهوة تستحيل على الله تعالى. فأما استعمالها بمعنى المدح فبعيد [٢] ، لأن الإنسان قد يحب من يذم
[١] ف : ما يفعل. [٢] انظر الفقرة : ٦٤ مع التعليق.
( م ـ ١٤ متشابه القرآن )