متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٨٩ - ومن سورة الأعراف
كما يعاقب على الذنوب فقال : ( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) [١] إلى قوله : ( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ).
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الطبع فى اللغة هو الختم والعلامة ، وليس يمنع عن الإيمان ، وبينا أنه تعالى يفعل ذلك بقلوب الكافرين فى الحقيقة ، كما يكتب الإيمان فى قلوب المؤمنين ، وذلك أنا قد بينا أن ذلك إنما يفعله لما فيه من اللطف والمصلحة ، وبينا أنه لو كان منعا لوجب حمله على التشبيه [٢] ، كما حملنا قوله تعالى : ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) على هذا الوجه ، وفى الآية ما يدل « على هذا ؛ لأنه [٣] قال تعالى : ( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) ولو كان يمنع فى الحقيقة لما منع عن السماع ، وإنما كان يمنع الفهم والتمييز ، فلا يكون لذلك معنى على قولهم [٤] ، ومتى حمل على التشبيه حسن موقعه ، لأنه كأنه قال : إن من وسم قلبه لا يفلح [٥] لسوء اختياره وكفره المتقدم. وهو بمنزلة من لا يسمع الأدلة ولا يفهمها ولا يعرفها.
وقوله : ( وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) [٦] عقيب قوله : ( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) يدل على أنه عقوبة على كفرهم المتقدم ، فلا يجوز أن يكون منعا عن الإيمان ، لأن المنع منه هو نفس الكفر ، ولا يجوز أن يكون الجزاء على الفعل هو نفس الفعل.
وبعد ، فليس فى ظاهر الآية أنه تعالى قد فعل ذلك ، وإنما قال فيمن قدم
[١] الآية : ١٠٠ وبعدها : [ تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ، كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ] ١٠١. [٢] انظر الفقرة : ١٨. [٣] فى د : على هذه الآية. [٤] د : قلوبهم. [٥] ف : بأنه لا يفلح. [٦] فى د : فطبع الله على قلوبهم.
( م ١٩ ـ متشابه القرآن )