متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧١٣ - ومن سورة الناس
واحدة فى أنه يجب أن يختار ما يقتضيه الإلجاء ، وأن يعلم حاله أن يفعله عند الإلجاء أو يكف عنه. فمتى جمع هذين الشرطين ، وصف بأنه إلجاء. والفرق بينه وبين الفعل الواقع من المختار الذى تتردد دواعيه بين الفعل والترك « أنه لا يتعلق به ذم ولا مدح [١]. ولذلك لا يمدح الإنسان على الأكل عند الجوع ، والهرب من السبع عند الخوف منه ، ولا على الامتناع من قتل الظالم إذا كان يعلم أنه لو حاوله يمنع ، ويفارق حاله حال المتمكن الذى ليس بملجإ ؛ فى كلا الوجهين اللذين قدمناهما.
فإذا ثبتت هذه الجملة ، وكنا قد بينا فى مواضع كثيرة أنه تعالى لم يرد من المكلف الإيمان على طريق الإلجاء ، وإنما أراده على طريق الاختيار ، وتأولنا عليه قوله تعالى ( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) [٢] إلى غير ذلك من الآى فيما بين الفرق بين الإرادتين ، ليعلم أن الذى نفيناه غير الذى أثبتناه ، ويعلم علتهما فى ذلك.
فإذا ثبت ما قدمناه أن عند سبب الإلجاء يجب الفعل ، وأنه تعالى لو أراد الإيمان من العبد على جهة الإلجاء ، لكان المعنى فى ذلك أن يريد سبب الإلجاء إلى الإيمان ، لأنه لا يجوز أن يريد الإيمان على وجه ، ولا يتم على ذلك الوجه ألا يفعل سواه ، إلا ويريد ذلك الفعل الذى لو فعله تعالى لكان العبد ملجأ إلى الإيمان ، وهو أن يفعل تعالى ما عنده لا بد من وقوع الإيمان على وجه لا يستحقون عليه المدح ، على ما بيناه.
[١] وقعت هذه العبارة فى الأصل بعد قوله : ( أو يكف عنه ) فى السطر السابق. [٢] الآية : ١٤٩ من سورة الأنعام ، انظر الفقرة : ٢٤١ ، وراجع الفقرة : ٨٠ وآيات المشيئة بعامة.