متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٨٠ - ومن سورة البقرة
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ... ) [٣١] ومعلوم من حالهم أنه لم يمكنهم أن يخبروه بهذه الأسماء ، لفقد معرفتهم « بها ، وهذا يدل على قولنا فى الاستطاعة والمخلوق جميعا [١].
والجواب عن ذلك ، أن ظاهره لا يدل على ما قالوه ؛ لأنه إن كان أمرا فهو أمر بشرط أن يكونوا صادقين ، فإن لم يكن معهم العلم بكونهم صادقين فيما يخبرون به ، زال التكليف عنهم أصلا.
فإن قال : قد يكون [٢] صادقا وإن لم يعلم ذلك ، فما قلتموه لا يجب؟
قيل له : متى جعل ذلك شرطا فى التكليف ، وجب أن يعلمه المكلف ؛ ليعلم أنه قد أدّى ما كلّف عند حصول شرطه ، ويعلم خلافه عند زوال الشرط ، فإذا وجب ذلك ولم يكن لهم إلى العلم به سبيل ، فالتكليف زائل ، فلم يحصل من ذلك أنه كلفهم على كل حال ، فيكون لهم فيه متعلق ، وذلك بمنزلة أمره تعالى المصلّى بأن يتطهر إن وجد الماء ، فإذا لم يجده « لا يجب عليه [٣] أن يكون مأمورا به ، فيتعلق بذلك فى أنه قد كلف ما لا يقدر عليه! فهذا الوجه يمنع من التعلق بالظاهر [٤].
[١] ساقط من ف. ونذكر هنا أنه قد تقدم قولهم فى القدرة : إنها مقارنة للمقدور ( الفقرة : ١٣ ) وقد ألزمهم المعتزلة على هذا أن يكون تكليف الكافر بالايمان تكليفا لما لا يطاق ، فالتزمه أكثرهم وجوزوا على الله تعالى أن يكلف العبد ما لا يطيقه ، وقالوا : ليس فى العقل قبحه ، وزاد الأشعرى أنه ليس فى السمع أيضا ما يمنع منه! ، واستدل بالآية المذكورة. وقد شنع عليه القاضى لهذا فى كتابه : شرح الأصول الخمسة ، وقال فى توجيه الآية : ( وأما قوله تعالى : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ فانما قال ذلك تعريفا لهم بالعجز عن الإنباء ، لا أن [ فى ] ذلك تكليفا ، وعلى هذا لو كان تكليفا لكان تكليفا لما لا يعلم! وذلك مما لا يجوزه القوم وإن أجازوا تكليف ما لا يطلق ) انظر شرح الأصول ٤٠٠ ـ ٤٠١. [٢] أى المكلف. [٣] د : لم يجب. [٤] ساقطة من د.